رواية من أنا بقلم وردة لبنان كاملة

الفصل الاول
نظرت الى الساعة وجدتها قد تجاوزت الرابعة....بدأت أهرول في المشي ...هل سألحق بالقطار....أم انني ستأخر أيضا هذه المرة!!!.
لم أر أمامي من شدة ما كنت مسرعة وحقائبي تكاد تقع من يدي .... حاولت قدر المستطاع أن أمسك بها وبقبعتي التي طالما وقعت مني وانتشلها أحدهم من على الأرض....وقدمها لي ........وصلت الى المحطة لأسمع صفير القطار يعلن على انطلاقته...حمدت الله فلقد وصلت في اللحظة ....
صعدت بسرعة ودخلت إحدى المقطورات من غير أن أنظر الى من بداخلها....جلست الهث من شدة التعب ...لو كنت دخلت في سباق للركض حتما كنت قد فزت بالمرتبة الاولى.......
فتحت عيني لأجد أمامي رجلا أرستقراطي الجلسة والهندام يطالع جريدته....وقد نظر الي بطرف عينه وكأنه متعجب من منظري الهزلي ...قبعتي قد مالت من على رأسي.. ومعطفي في وضع مأساوي وحقيبة يدي على الأرض.....ما إن رأيته حتى عدلت في جلستي وقد شعرت بإرتباك كبير....انه لشيىء محرج للغاية أن يكون الشخص محط أنظار من حوله خاصة في وضع كوضعي.....
تظاهرت بأنني أقرأ احدى الكتب....لأتهرب من نظراته......ما هي الا دقائق حتى دخل الينا موظف المحطة يريد البطاقات..يا للمصېبة...لقد نسيت أن أشتري تذكرة....نظرت من حولي لأجد نفسي أجلس في مقطورة الدرجة الأولى....ما هذه الورطة التي وقعت فيها..ما هو موقفي الأن أمام هذا الرجل وامام الموظف..حاولت التملص في اللحظة التي انشغل فيها الموظف بالترحيب بالرجل وهو يبرز التذكرة.....ولكنه استوقفني ايضا في اللحظة الأخيرة....اللحظات الأخيرة دائما تسعفني ولكن ليس هذه المرة على ما يبدو....
نظر الي بكل إحترام قائلا....
انسة....التذكرة من فضلك....
بدأت أتظاهر بأنني أفتش في حقيبة يدي بحثا عنها وقد بدأت أتصبب عرقا وأنا مدركة بأنني للأسف سأتعرض لموقف في غاية الغباء...فإذا قلت له أنني قد أضعتها سيطلب مني أن أشتري واحدة أخرى وأنا لا أحمل ثمنها....ماذا أفعل....ما الذي أتى بي الى هنا اذن
فجأة وجدت الرجل يمسك بتذكرة أخرى ويعطيها للموظف قائلا....
انسة تذكرتك اه يوقعت منك وانتي داخلة...وقد ابتسم ابتسامة خفيفة وكأنه يقول لي...انقذتك 
أخذها الموظف وخط امضائه عليها وأرجعها لي....
غادر بهدوء... لم أكن بعدها قد إستيقظت من الصدمة...أخفيت وجهي بيدي وبدأت أضحك بصمت ...
لم يكلمني الرجل بعدها ولا كلمة....بل بقي يطالع جريدته بصمت قاټل ....يا للموقف المحرج....كيف سأتصرف الأنماذا سأقول له انه حقا لرجل شهم لقد أخرجني من المأزق من دون حتى أن يعلم من أكون...هل شعر أنني فقيرة وأراد مساعدتي..ولكنني لست فقيرة!..نعم لست فقيرة...ولكن هل مظهري العام يوحي بذلك....معطفي مثلا شكلي!...ولكنني قد جلبتهما من محال يبيع ثياب غالية بعض الشيىء وقد بقيت لشهرين كاملين أدخر راتبي الشهري ..من دون أن أصرف منه قرشا...وكيف لا وأنا سأدخل الى قصر وأصبح من سكانه....وبدأت أفكر....كيف هي حياة القصور يا ترى
هل هي جميلة. هل كما أراها في الصور أم مختلفة بعض الشيىء أو ربما أجمل....أغمضت عيني وبدأت أتخيل ....أثاث فاخر...بهو كبير مزين بأجمل اللوحات وأفخمها....درج طويل بقضبان مذهبة...غرفة كبيرة وواسعة علها أكبر حجما من منزلنا في المدينة....حديقة واسعة....أشجار من كل شكل ونوع....يا الله...
عدت بذاكرتي الى اليوم الذي جاء فيه العم جمال لزيارتي في المدرسة الداخلية التي كنت امكث فيها وأدرس فيها أيضا اللغة الفرنسية وسألني اذا كنت اقبل أن أعمل لدى العائلة التي يعمل لديها سائق.....وافقت على الفور...... اعطاني العنوان من دون أن اسأله حتى ماذا سأعمل..ولكن حتما مدرسة لأحد ابناء القصر الصغار..وهل سأرفض .....من يرفض حياة القصور والرفاهية من غرفة يشاركني فيها عشرة فتيات الى غرفة كبيرة لي فقط...لا أصدق حقا...
فتحت عيني بعد هذه الجولة الصغيرة مع خيالي...نظرت أمامي لم أجد الرجل...أين ذهب والقطار ما زال يمشي لم أشعر بالقطار أنه قد توقف أبدا...!
عله يتنقل بين المقطورات ومل من الجلوس لوحده....فتحت عندها حقيبتي وأخذت أقرأ كتاب تولستوي انا كرنينا...وانسجمت فيها لدرجة كبيرة...ولكنها لم تعجبني...كيف لسيدة متزوجة أن تحب رجل أخر على زوجها...ما هذه المچنونة...وتترك أيضا حياة القصور...يا لها من غبية......هل يذوق احد طعم الرخاء والعز والغنى ويتركه هكذا....من أجل ماذا من أجل الحب..
الحب الحب الحب...ما هو هذا الشعور يا ترى.....لقد جربت كل أنواع الحب...أحب الله..احب امي رحمها الله ووالدي الذي لم اراه في حياتي ولا أعلم عنه شيئا منذ أن ولدت ......أحب عملي ووطني...أحب العم جمال الذي كان لي كالوالد وساعدني كثيرا......ولكنني لم أجرب ما يقولون عنه الحب الذي ييولد بين رجل وامرأة ...لم ألتق في حياتي بشخص قد أحب ووجدته سعيدا...لماذا يحب الناس اذن....لدي فلسفتي الخاصة في هذا الأمر....ربما أكون على صواب.....
بعد ساعتين وصل القطار الى المحطة....أخذت حقائبي ونزلت وأنا ما زلت أبحث بنظراتي عن الرجل الغامض ...ولكنني لم أجده...تابعت عندها طريقي وأخرجت الورقة التي تحمل العنوان من جيبي واتجهت نحو سيارة اجرة...قلت للسائق...
من فضلك عاوزة اروح شارع السفرا....جنب الحدايق القديمة...
عاوزة تروحي لمين هناك
ال عمران قصر ال عمران...أعطيته الورقة نظر اليها قائلا
فين ده عمري ما سمعت عنه...اساسا المنطقة هناك مقطوعة ومش في شارع السفرا بعيد خالص عن المنطقة .....خلاص حوديكي هناك وانتي اسألي
قلت وأنا افتح الباب... ما قلتليش حتاخد مني كام
قال بإستغراب الظاهر اول مرة تجي هنا
قلت بتعجب عرفت ازاي..
عشان كل عربيات التاكس هنا على العداد الأجرة...
بقيت واقفة أفكر وقلت له المكان ده بعيد
لاحظت انه قد بدأ يغضب خاصة انه خرج من السيارة ..ونظر الي نظرات غريبة ثم قال لق م كتير حتركبي ولا اشوف غيرك
قلت وأنا أدخل السيارة كسيدة مجتمع راق لا اتفضل...
وكانت هذه المرة الأولى التي ات فيها الى هذه المنطقة... حقا انها رائعة.. حتما من يسكنون هذه المنطقة شعراء او كتاب او رسامون....
وقفت السيارة في مكان ما...وجدت السائق يقول لي... 
انسة العربية ما تقدرش تدخل اكتر من كده عشان دي املاك خاصة ادخلي مش
اخرجت رأسي من شباك السيارة لأرى القصر...وذهلت...من بعيد شاهدت قصر..انه ليس بقصر...بل قصور اجتمعت في قصر.....وبقيت عيناي معلقتين بما رأيت الى أن وجدت السائق وقد طفح به الكيل نزل وفتح لي الباب وكأنه يطردني...
انسة انا مستعجل عندي زباين غيرك...
تنبهت اليه فنزلت فورا وانا امسك بحقائبي....أعطيته ما كان في جيبي من مال من دون أن أعدهم فالجمال الذي رأيته من الخارج أخذ كل تركيزي ..كيف هو اذن من الداخل..يا الله ما أروعه...تابعت السير بإتجاه البوابة الكبرى وكأنها بوابة طروادة التي اخترقها الأعداء....ولم أبالي بصوت السائق الذي كان يحتج على ماأعطيته له ولكنني لم الټفت الى الوراء بل بقيت أمشي في طريقي وكأنني رجل ألي يعرف خطواته بتأن .....
عبرت الحديقة وقد مشيت مسافة طويلة جدا ولم اصل بعد وان امشي......الى ان وصلت الى بوابة كبيرة...طرقت الباب وقد رتبت هندامي لأظهر بشكل لائق....فتحت لي الباب الخادمة ...
ما ان رأتني حتى رحبت بي قائلة اهلا وسهلا انسة اتفضلي احنا مستنيينك...
نظرت اليها بإستغراب مستنيني......خاصة اني لم أعملم العم جمال بموعد وصولي ...كيف علمت اذن...ربما هم يستقبلون الجميع بهذه الطريقة
دخلت
وجلست في الصالة ....احتار نظري من شدة روعة ما رأيت..تحف هنا ولوحات زيتية هناك..وقطع أثاث رتبت بعناية وكأنني في محتف تعود
أثاره للقصور الوسطى....
ما هي الا لحظات حتى رأيت أمامي سيدة أنيقة إعتقدت انها سيدة القصر ولكني أكتشفت انها مدبرة المنزل... قالت لي...
انسة..السيد منير مستنيكي...لم تنتظر أن ارد عليها لأستفسر عن السيد منير هذا... بل مشت أمامي ولحقت بها بصمت وأنا مستغربة مما يحصل معي
..أدخلتني الى غرفة مكتب كبيرة وفتحت لي الباب ودعتني الى الدخول وخرجت مقفلة الباب وراءها....
نظرت أمامي وجدت رجلا يجلس على كرسي كبير ويدير ظهره....
قلت بخجل صباح الخير سيد منير.....
لم ينظر الي بل قال انتي جاهزة
قلت في استغراب لايه حضرتك
عشان تتجوزي 
قلت بتعجب اتجوزعفوا هو العم جمال فين
استدار نحوي قائلا مين جمالماعرفوشوكانت الصدمة انه الرجل الغامض الذي رأيته في القطار
الفصل التاني
وقفت كالمذهولة للحظات لا أدري كيف أتصرف حيال ما رأيته وما سمعته ولكنني كنت متأكدة ولو بقدر بسيط أنني على ما يبدو قد دخلت القصر الخطأ....
رأيته يقف ويتجه نحوي قائلا الظاهر انك م عارفة الموضوع
موضوع ايه أنا...أنا....
اقترب مني وقال بهمس الي يدخل هنا لازم ينفذ الي انا عاوزه والا مش حيخرج...هو ده الموضوع..فهمتي دلوقت
بدأت أشعر بالخۏف من نظرات عيينه ولهجته التي تغيرت وقلت مبررة إسمعني من فضلك...الظاهر اني دخلت القصر باالغلط...انا جيت هنا لان العم جمال جبلي شغل عندكم هو سواق في القصر وانا على الاساس ده جيت وانت انا متأكدة شفتك في القطر..بتنكر ليه..
قال بإستغراب قطر ايهالظاهر انك ضايعة شوية..
فتحت عيني وتأملته بخجل لأتأكد من أنه هو من رأيت في المقطورة لق انا ممتأكدة وانت دفعت عني تمن التذكرةقلتاها بخجل هو عم جمال فين ولا انا دخلت قصر غلط حضرتك
قال بتعجب اساسا ما نعرفش حد اسمو جمال وهنا ما عندناش سواق...عفوا اسمك ايه
قلتوقد بدأت اغضب نهال...انسة نهال.....عدت وتابعت بنبرة غاضبة...الظاهر عم جمال بيشتغل في قصر تاني انا جيت هنا غلط عن اذنكوقفت اريد الرحيل
لا مش غلط..القصر هنا القصر الوحيد واقرب قصر يبعد عن هنا 20 كيلو يبقى العنوان الي جيتيه صح....مش غلط..
وكانت الصدمة الأخرى...قلت بړعب مستحيل.....العم جمال هو الي اداني العنوان ازاي يديني عنوان غلط
جلس على مقعده وطرق بيده على الطاولة الموضوع انتهى انسة نهال.....لو سمحتي نفذي المطلوب وحتاخدي الي متفقين عليه مع السيد زاهر
قلت وقد بدأت أغضب مين زاهر ده ارجوك افهمني انا لازم امشي
...لم يرد عليه بل كبس على إحدى الأزرار بجانبه..وما هي الا لحظات حتى أتت الخادمة التي فتحت لي الباب....
قال لها ببرود من فضلك..وصلي الأنسة نهال لقودتها.....
اقتربت مني بهدوء قائلة اتفضلي معاية شنطك في القودة
قلت بتوتر لا بينكم مجانيني هنا بقلكم مش انا الممطلوبة....مش انا
قال السيد منير بنبرة افزعتني لو سمحتي احفظي ادبك والا حزعل
وقفت متجمدة في أرضي كطفلة صغيرة مصممة على أمر ما وطرقت برجلي على الأرض قائلةمش انا الي مستينها يا جماعة افهموني.........
رأيته يعبث بقلم على الطاولة ولا ينظر الي...دنت الخادمة مني قائلة 
انسة لو سمحتي اتفضلي معاية بلاش توتري اصلو بدأ يتوتر معناها الجي اعظم اهدي واتفضلي معاية وكل حاجة حتكون تمام..اتفضلي
وجدتها تتقدم أمامي لأتبعها...ربما هناك فرصة للتفاهم معها أفضل من السيد منير الذي اقفل الباب خلفي كأنه يحضر لشيىء ما أجهله....تبعتها على غير هدى وأنا خائڤة من كل ما حولي..هذاالقصر الذي دخلته منذ لحظات في غاية الفرح انقلب شعوري ړعبا وخوفا....
صعدت الدرج ومشيت خلفها في نفق طويل حائطه مرسوم بأجمل الألوان....دخلت بعدها الى غرفة وقفت عند الباب ومدت يدها الى الداخل قائلة..
اتفضلي انسة نهال...قودتك....
نظرت من الخارج الى الغرفة..لم ار أولها من اخرها