قصه قصيرة ذات عبره روعه

تقول إحداهن :
قبل أيام قليلة من زفافي، فوجئت بقرار لم يخطر
لي على بال. والدة خطيبي زارتني فجأة، وأخبرتني ببرود أن الخطوبة قد أُلغيت. سألتها عن السبب مراراً، وبعد تردد طويل قالت جملة كفيلة بتحطيم أي فتاة: "ابني لا يراك جميلة، ولا يمكنه أن يتزوج امرأة لا تعجبه."

تجمدت في مكاني، وكأن كل أحلامي التي بنيتها لسنوات اڼهارت دفعة واحدة. كيف يُقال لي هذا قبل أسبوعين فقط من الزفاف؟ لماذا لم يخبرني منذ البداية؟ ألهذا الحد كنت عمياء عن الحقيقة؟ جلست بعدها أمام المرآة طويلاً، أبحث في ملامحي عن أي بريق ينقض كلماته، لكني لم أرَ سوى وجه منهك وعينين فقدتا ضوءهما. شعرت وكأنني لم أكن يوماً تلك الفتاة المليئة بالحياة.

تراكمت الأيام ثقيلة، تحولت فيها ابتسامتي إلى شيء غريب عني، حتى ضحكاتي التي كانت تملأ البيت تلاشت. تركت الألوان والمساحيق جانباً، مقتنعة تماماً أن لا شيء قادر على تجميلي.

لكن حدث بسيط قلب موازين قلبي. حين استلمت أول منحة جامعية لي، لم أفكر في نفسي، بل أسرعت لشراء هدايا متواضعة لوالديّ. وحين قدمتها لوالدتي، احتضنتني بحرارة قائلة: "يكفيني أنك قلت هذه لك." لم تحتج أن ترى ما بداخل الأكياس، فرحتها كانت صافية لمجرد أنها شعرت بتقديري لها. في تلك اللحظة فقط، عرفت أن ابتسامتها هي أجمل ما قد يضيء حياتي، وأن سر جمالي الحقيقي يكمن في عيون من يحبونني بصدق.

رغم ذلك، بقي داخلي خوف دفين. كلما تقدّم لخطبتي أحد، كنت أرفضه دون تفكير، لا لشيء سوى أنني خفت أن يكرر أحدهم تلك العبارة التي سكنت داخلي: "أنت لست جميلة." لم أكن مستعدة لأن أُسجن فيها من جديد.

مرت الأعوام حتى يومٍ ماطرٍ في سنتي الأخيرة بالجامعة. كنت في مركز البريد أنتظر والدي، حين لفتتني امرأة أنيقة، تشبه أمي في حنانها. تبادلت معي الحديث، ثم فاجأتني بسؤال مباشر: "هل أنت مرتبطة؟" أجبتها بالنفي، فابتسمت وقالت: "أعرف شاباً خلوقاً يعمل معي، بنى حياته من الصفر بعد أن فقد والديه، وكل ما يحتاجه امرأة تكون له سنداً."

كلماتها كانت دافئة، لكنها أيقظت مخاۏفي القديمة. وبينما أنا غارقة في ترددي، التفتت وأشارت نحوه قائلة: "ها هو هناك، لقد وصفك لي من قبل بكلمة واحدة: نادرة. قال إن فتاة بصفاء ملامحك وبساطتك لم تعد موجودة."

ارتبكت. كيف يعرفني؟ فأجابت: "كان يراك دائماً عند قبض منحك، وكنا ننتظرك كل مرة. بالنسبة له، لست مجرد جميلة أو غير جميلة، أنت مختلفة."

حينها فقط أدركت أن السچن الذي حبست نفسي فيه لم يكن إلا وهماً. لم أكن أسيرة المرآة، بل أسيرة كلمة لم تكتمل. فالجملة الحقيقية لم تكن "أنت لست جميلة"، بل "أنت لست جميلة فقط، بل نادرة."

رجعت إلى البيت واحتضنت أمي بصمت، والدموع تنساب على وجهي. ابتسمت قائلة: "غريب! كنت ترفضين الزواج دائماً، واليوم أرى دموع الفرح." لم أجبها سوى بابتسامة عريضة، ثم دخلت غرفتي وأخرجت مرآتي القديمة من الدرج. نظرت فيها طويلاً، فرأيت لأول مرة بعد سنوات ملامحي الحقيقية، ورأيت نفسي كما لم أرها من قبل: حرة.

الحرية ليست دائماً أن تفك قيوداً مادية، بل أن تتحرر من فكرة سجنتك طويلاً. والآن، لم أعد أبحث عن جمال يراه الناس، بل عن قيمة يعرفها من يستحق.