سر حمايا

عاش حماي البالغ من العمر 89 عامًا تحت سقفنا لمدة 20 سنة كاملة من غير ما يدفع ولا مليم… وعمرنا ما توقعنا إن نهايته هتفتح باب لصدمة تهزّ حياتنا من أساسها.

لما اتجوزت وأنا عندي 30 سنة، كنت خارجة من حياة بسيطة بس مستقرة: شقة صغيرة، وظيفة ثابتة، وشوية مدخرات تعبت عليهم. جوزي وقتها كان عنده شغل متقطع… وماكانش عنده أي ممتلكات. كان عنده بس أب عجوز، قريب يكمل الـ70، عايش لوحده ومعتمد بالكامل على معاش محاربين قدامى مش بيكفيه حتى دوائه.

بعد الجواز مباشرة، قالّي جوزي:
"بابا مالوش حد… ممكن ييجي يعيش معانا شوية؟"
قلت له: "أكيد… ده أبوك، وده أقل واجب."

بس "شوية" دي اتحولت لـ عشرين سنة.

اتنقل حمايا عندنا… وقعد.
لا بيطبخ.
لا بيساعد.
لا بيشتري حاجة.
لا بيشيل حتى كوباية من قدّامه.
كان يقعد في الصالة يشرب الشاي من غير كلمة… وأنا بشتغل وظيفتين عشان الفواتير والأكل ومدارس الولاد.

الناس كانت تقول لي:
"إزاي مستحملة؟ اتنين وعشرين سنة وما دفعش ولا جنيه؟"
كنت أقول لهم: "ده والد جوزي… لو إحنا ما اهتميناش بيه مين هيهتم؟"

بس بيني وبين نفسي؟
كنت ساعات أنام وأنا دموعي على المخدة من القهر… وأقول:
"هو مقدّرش حتى يحاول يساعد؟ حتى بكلمة شكر؟"

فاكرة ليلة بالذات… يوم شتا صعب.
رجعت من الشغل متأخرة، هدومي مبلولة وبتَرعِش.
كنت بحلم بأكلة سخنة…
دخلت المطبخ لقيت التلاجة فاضية، والسخان مطفي عشان نوفر كهربا، وهو قاعد قدّام التلفزيون زي كل يوم ولا كإنه في الدنيا حد بيتعب.

ومع ذلك… كنت أكمّل.
كنت أقول: "ربنا هيعوّض."

لكن صباح هادي غيّر كل حاجة.
جوزي دخل أوضته عشان يديه الإفطار… لقاه نايم بس من غير نفس.
ماټ بهدوء… بعد عشرين سنة عاشهم على حساب شقانا.

ډفناه على حسابنا.
ولا حد من العيلة ظهر.
قلت بس… كده القصة خلصت.

لكن لأ… القصة كانت لسه بتبدأ.

بعد 3 أيام من الچنازة، واحد شيك خبط على الباب.
فتحنا… لقيته شايل ملف كبير ومعرفش في إيه.
قال:
"أنا الأستاذ سامي… محامي المرحوم والد زوج حضرتك."

أنا اټصدمت:
"محامي؟! إحنا أصلاً ماكناش نعرف إنه عنده حاجة!"

فتح الملف وقال بأهدى صوت… الجملة اللي وقفت قلبي:

"المرحوم كتب وصية من 18 سنة… وكل ممتلكاته باسمك إنتي."

أنا اتجمدت.
قلت له: "ممتلكات إيه؟ ده ماكانش معاه حق العلاج!"

ابتسم وقال:
"ده كان عنده أرض قديمة ومحل مؤجر مابيظهرش في سجلات بسيطة… لكنه مسجّل رسمي. قيمته دلوقتي فوق المليون ونص."

أنا قعدت. حرفيًا رجليّا مش شايلاني.
المحامي كمل:
"هو كتب في الوصية:
هي اللي صرفت عليّ، وهي اللي استحملتني… ولو في حد يستحق، فهي هي."

الصدمة الكبيرة التانية؟
إنه كان عارف إني كنت بزعل… وعارف إني قادرة أستحمل أكتر مما ببيّن.
وإنه رغم صمته… كان شايف كل حاجة.

الناس اللي قالت: "إزاي مستحملة؟"
مكنوش يعرفوا إن الراجل اللي قعد عشرين سنة ساكت… شايف وواعي وبيرد بطريقته.

وأنا؟
وقفت قدام قپره بعدها بأسبوع، وبكيت… مش على الفلوس.
على عشرين سنة كنت فاكرة إنها راحت هدر… وطلعت محسوبة عند ربنا وعنده.

ومن اليوم دا… اتعلمت أهم درس في حياتي:

أحيانًا اللي مابيتكلمش… بيكون بيشوف كل حاجة، وبيسدد دينه في الوقت اللي مستحيل تتوقعه.