رواية كامله

في ليلة عيد الميلاد وصلت إلى بيت عائلتي ومعي ابنتي البالغة من العمر ثماني سنوات التي كانت متحمسة أكثر من أي وقت مضى. استيقظت في السابعة صباحا ارتدت مريول الطبخ الوردي وبدأت تعد 12 قطعة من الكب كيك بالكريمة الوردية. كانت تضحك وتقول لي يا رب تعجب جدتي عملتهم بإيدي. طوال الطريق إلى بيت أمي كانت تمسك الصينية بكل حرص وكأنها تحمل كنزا.
ما إن دخلنا المنزل حتى أسرعت ابنتي نحو جدتها وقدمت لها الصينية بفخر. أمي ابتسمت ابتسامة قصيرة باردة وقالت ممم لطيف. استمري في المحاولة. ثم أخذت الصينية إلى المطبخ بدون أي اهتمام حقيقي بينما كانت أختي تضحك وتقول شيئا عن الأطفال اللي دايما فاكرين نفسهم شيفات.
جلست ابنتي على الطاولة تنتظر تعليقا كلمة أي شيء يشعرها بأن جهدها لم يذهب سدى. لكن لم يقل أحد شيئا. وبعد دقائق ذهبت إلى المطبخ لأساعد أو أرتب شيئا لكنني تجمدت فور أن رأيت المنظر كل قطع الكب كيك الاثنتي عشرة التي قضت ابنتي ساعات في صنعها كانت في قاع سلة القمامة. ليس فقط مرمية بل مبللة بالصابون وكأن أمي حرصت على التأكيد أنها غير قابلة للأكل. الټفت فوجدت ابنتي واقفة عند باب المطبخ عيناها ممتلئتان بالدموع تشاهد كل شيء في صمت موجع.
رجعنا إلى غرفة الطعام وكانت أمي وأختي يتحدثان بكل هدوء عن المعايير العالية وضرورة أن يتعلم الأطفال من بدري إن مفيش حاجة بتتعمل كده وخلاص. أما ابنتي فجلست بهدوء شديد ويديها الصغيرتين مخفيتين تحت المفرش حتى لا يلاحظ أحد أنها كانت ترتجف وهي تمسح دموعها.
وقفت رفعت كأسي ضحكت ضحكة قصيرة جامدة وقلت تمام نشرب نخب آخر عشاء عائلي بيننا. ساد الصمت. تظاهرت أمي بعدم الفهم وقالت إنتي بتبالغي. أما أختي فتمتمت هو كب كيك يعني مش نهاية العالم. لكن ما لم يعرفوه هو أنني لم أعد تلك البنت التي تخاف من إغضابهم أو التي تسكت عن التقليل مني أو من ابنتي.
بعد يومين تماما بدأ الهاتف يرن عندهم بلا توقف. لم أكن أرد. كنت منشغلة بشيء آخر استلام إيداع بقيمة 12 ألف دولار في حسابينصف مستحقاتي المتأخرة من ميراث أبي التي حاولوا تأجيلها لسنوات بحجة الترتيبات والسجلات المفقودة. محامي تحدث معهم مباشرة وأخبرهم أن بقية المبلغ سيصل بعد الإجراءات القانونية وأن أي محاولة للتواصل معي يجب أن تكون من خلاله فقط. فجأة اختفت الثقة واختفت القوة وبدأ الخۏف يبان في أصواتهم.
لم أرد أن أنتقم بالكلام ولا بالصوت العالي. أردت فقط ألا تعيش ابنتي ما عشته. ألا تشعر يوما أن قيمتها أقل من غيرها أو أن جهدها بلا معنى أو أن حبها يمكن رميه في القمامة ببساطة.
وفي النهاية لم يكن الكب كيك هو المشكلة. كانت الرسالة. رسالة وصلتني بوضوح ورددت عليها بوضوح أكبر. ومن يومها فعلا كان ذلك العشاء آخر عشاء يجمعنا. ولم أندم لحظة واحدة.