المحلل الكاتب المجهول

أول ما دخلت من باب الصالة، حسيت إن رجلي تقيلة ومش قادرة تشيلني. كنت فاكر إن قلبي اتعود على الصدمات، بس اللحظة دي كسرت أي تصور سابق. رفعت عيني من الأرض بالصدفة، ويمكن القدر هو اللي أجبرني، وعيني وقعت عليها. كانت واقفة قدام المأذون، لابسة فستان بسيط، وشها هادي بشكل يخوف، كأنها داخلة على قرار مش فاهمة هو هيوديها لفين. في اللحظة دي، الدنيا سكتت. مفيش صوت، مفيش حركة، غير دقات قلبي اللي كانت أعلى من أي كلام.

عرفتها فورًا. مش من الملامح بس، من إحساس قديم اتفجر جوايا. نفس العيون اللي كانت بتبصلي وأنا بحاول أنيمها، نفس التقويسة الخفيفة في الفم لما تتوتر، نفس الوقفة اللي كانت تعملها وهي صغيرة لما تخاف وتدّعي القوة. الزمن كله اتلم في ثانية واحدة، وعدّى قدامي زي شريط محروق. حاولت أتنفس، بس صدري كان مقفول، كأن حد حاطط حجر مكان الرئة.

هي بصّت ناحيتي، بصّة عادية، محايدة، بصّة واحدة بتشوف راجل غريب داخل يتجوزها كمحلل. ما كانش في عينيها أي دهشة، ولا أي اعتراف. اللحظة دي وجعتني أكتر من الصدمة نفسها. أنا واقف قدام بنتي، وهي مش شايفاني.

المأذون بدأ يسأل عن الأسماء، وصوته كان بعيد، كأنه طالع من قاع بير. اسمي اتقال، واسمها اتقال، وكل حرف كان بيضرب في ودني زي مطرقة. حاولت أركز، أتماسك، لأن أي حركة زيادة ممكن تكشفني، وممكن تحطها في موقف ما تستحقوش. افتكرت أمها، افتكرت اليوم اللي مشيت فيه وهي حامل، افتكرت القضايا، والورق، والسنين اللي قضيتها أراقب من بعيد من غير ما أقدر أقرّب، افتكرت الكذبة اللي كبرت بيها وهي فاكرة إن أبوها ماټ بدري، وافتكرت اسمي اللي اتشال من حياتها زي ما يتشال سطر من شهادة ميلاد.

طلبت دقيقة. صوتي طلع بالعافية، بس كان ثابت. سحبت الراجل اللي كان واقف مستني على جنب، ووشه مليان استعجال وطمع، وقلتله بهدوء مخيف إن الجوازة دي مش هتحصل. ضحك في الأول، فاكرني بلعب، فاكر الفلوس هتسكت أي حاجة. بس لما شاف الورق اللي طلعته، والمكالمة اللي عملتها، عرف إن في حاجات ما ينفعش تتشترى.

رجعت للصالة، وقلت للمأذون إن في مشكلة قانونية، وإن الموضوع لازم يتأجل. الاعتراضات علت، الأصوات ارتفعت، لكن القرار كان خلاص اتاخد. الجوازة اتلغت. هي خرجت مکسورة، مش فاهمة ليه، وأنا فضلت واقف مكانى، أبص عليها وهي بتبعد، وقلبي بيتقطع، بس مطمئن إن الليلة دي على الأقل عدّت من غير ما تتدمر.

في اللحظة دي، عرفت إن حياتي القديمة انتهت. الشغل اللي قبلته علشان أعيش، كان ممكن ېقتل بنتي بإيدي. ومن اللحظة دي، فهمت إن دوري كمحلل مش انتهى، لكنه اتغير. المرة دي مش بدور على فلوس، ولا بنفذ طلبات حد. المرة دي، أنا راجل رجع له سبب يعيش علشانه، وأي حد فاكر إن بنته كانت مجرد ورقة في لعبة قڈرة، هيكتشف متأخر إن فيه أب كان واقف في الضلمة، مستني اللحظة اللي يحميها فيها مهما كان الثمن.