قالوا عن فستاني أنه من متجر ملابس مستعملة

بعد أن قضيت ستة أشهر كاملة أخيط بيدي فستان زفاف ابنتي، دخلت جناح العروس في اللحظة نفسها التي سمعتها فيها تضحك وتقول بلا اكتراث: «لو سألت، قولوا لها إنه لا يناسبني… شكله كأنه من محل ملابس مستعملة»، كانت الكلمات كصڤعة مفاجئة، وقفت خلف الباب المفتوح قليلًا وأصابعي ما زالت تؤلمني من ليالٍ طويلة قضيتها أنحني تحت ضوء ضعيف، أخيط وأفك وأعيد الخياطة، أضع قلبي غرزة فوق غرزة، في الداخل كانت كلير، ابنتي، جالسة وسط وصيفاتها، الحرير يلمع، الضحكات تعلو، والكؤوس تتصادم، جميلة وواثقة ولا تدري أن أمها تقف هناك وتسمع كل شيء، لم أدخل في نوبة بكاء، لم أوبخها، ابتلعت مرارتي وعدّلت ظهري ودخلت كأن شيئًا لم يكن، رفعت رأسي وقلت بهدوء: «خلصت تعديل صغير، هاخد الفستان علشان يتبخر»، نظرت إليّ نظرة عابرة وهزّت رأسها وعادت لضحكها، حملت الفستان بين ذراعيّ، كان دافئًا وثقيلًا، ليس بالقماش بل بالذكريات، بكل ليلة كنت أعود فيها متعبة من العمل، بكل مرة سهرت وأنا أقاوم النوم لأكمل تطريز وردة لأنني كنت أريدها أن تكون مثالية، في الممر جلست للحظة أتنفس، تذكرت كيف ربّيت كلير وحدي بعد ۏفاة والدها، كيف تنازلت عن أحلامي الصغيرة كي لا ينقصها شيء، لم أطلب يومًا شكرًا، لكنني لم أتوقع هذا الچرح، في تلك الليلة في غرفة الفندق، فرشت الفستان على السرير ونظرت إليه بعين مختلفة، لأول مرة لم أره كفستان ابنتي فقط، بل كعمل غير مكتمل، رأيت العيوب التي تجاهلتها من فرط التعب، ورأيت الأهم: رأيت نفسي، امرأة قضت عمرها تعطي دون أن يُنظر إليها، أمسكت المقص ولم أبكِ، لم يكن ذلك بدافع الاڼتقام، بل بدافع الصدق، بدأت أفك الخياطة وأعيدها، أصلحت ما أهملته، عدّلت القصّة، أعدت توزيع التطريز، جعلت الفستان أجمل مما تخيلت يومًا، عملت طوال الليل، وعندما أشرقت الشمس كان الفستان تحفة حقيقية، ليس لأنني أردت إثبات شيء لها، بل لأنني أردت أن أُثبت شيئًا لنفسي، في الصباح دخلت جناح العروس ووضعت الفستان بصمت، وعندما ارتدته كلير وسارت نحو المرآة، صمتت الغرفة، انعكست صورتها وهي تضع يدها على فمها والدموع تلمع في عينيها، التفتت إليّ ببطء، لأول مرة لم يكن في عينيها غرور بل ارتباك وندم، همست: «ماما… أنا…»، رفعت يدي وأوقفتها وقلت بهدوء: «البسي فستانك واستعدي ليومك»، أثناء الزفاف، وبينما كانت تسير نحوه، سمعت من حولي همسات الإعجاب بالفستان، لكن الأهم أنني رأيت نظرة مختلفة في عيني ابنتي، بعد الحفل، جاءت إليّ واحتضنتني بقوة، بكت وقالت إنها كانت قاسېة وعمياء، وإنها لم ترَ كم أعطيت، ابتسمت وربتّ على ظهرها، لم أحتج اعتذارًا طويلًا، ما احتجته كان أن أستعيد نفسي، في تلك الليلة عدت إلى غرفتي ووضعت المقص والإبرة في حقيبتي، وعرفت أن تلك اللحظة لم تكن نهاية علاقتي بابنتي، بل نهاية امرأة كانت تنسى قيمتها، ومنذ ذلك اليوم، لم أخيط شيئًا بدافع الټضحية فقط، بل بدافع الحب المتبادل، لأنني تعلمت أخيرًا أن الأمومة لا تعني أن نختفي، بل أن نكون حاضرين بقيمة نعرفها ونحترمها.