عندما رفضت أختي

قعدت قدامها وأنا واخد قراري، المرة دي مفيش لف ولا دوران. قلت لها إن الحل اللي كنت ملمّح له بقى لازم يتقال، وإننا محتاجين شجاعة عشان نعدّي الزنقة دي. أول ما فهمت قصدي، وشّها اتغيّر، كأن الأرض سحبت نفسها من تحت رجليها. قامت من مكانها وقالت وهي بترتعش: “مستحيل… ده حرام. حتى لو ڼموت.” حاولت أهوّن، أجمّل، ألبّس الغلط لبس ضرورة، قلت لها إن الدنيا قاسېة ومبتديش فرص للي بيمشوا صح، وإنه حل مؤقت بس. كل كلمة كنت بقولها كانت بتبعدها خطوة، وكل خطوة كانت بتوجعني أكتر بس عنادي كان أسبق.
الأيام عدّت والبيت كان بيغرق، وأنا ڠرقت معاه. كل مرة أفتح الموضوع كانت تقفله بدعاء أو دموع. وفي لحظة ضعف وقسۏة، طلعت مني كلمة عمري ما كنت فاكر إني هقولها: “يا تعملي اللي بقولك عليه، يا تمشي من البيت.” سكتت، بصّت للحيطان، كأنها بتودّعها، دخلت أوضتها ولمّت هدومها في شنطة صغيرة. قبل ما تمشي قالت بهدوء كسّرني: “الجوع أهون من إن ربنا يكسّرني.” وقفلت الباب وراها.
البيت فَضِي، بس اللي فَضِي أكتر كان قلبي. حاولت أقنع نفسي إني صح، إن الضرورة ليها أحكام، بس صوتها كان أعلى من أي مبرر. بعد أيام عرفت إنها اشتغلت في سوبر ماركت كبير بعيد عننا. شغل شاق، ساعات طويلة، بس حلال. كانت بترجع مهدودة بس راسها مرفوعة.
صاحب السوبر كان شاب، باين عليه الجدعنة. لاحظ أمانتها والتزامها، ومع الوقت عرف حكايتها من غير ما تفضح حد ولا تشوّه حد. سمع وسكت، وبعدها قرب من غير ضغط، من غير شفقة. شهور وعدّت، وفتح معاها موضوع الجواز. قالت آه بعد استخارة طويلة. اختارت الأمان، واختارت الصح.
لما الخبر وصلني، فرحت لها واتكسرت عليّ في نفس اللحظة. ساعتها بس فهمت إن اللي كنت فاكره حل كان امتحان، وأنا سقطت فيه، وهي عدّت. فهمت إن ربنا ما بيقيسش النتيجة بالسرعة، بيقيسها بالنية والطريق.
عدّى وقت قبل ما أواجهها. لما وقفت قدام بيتها، شفت النور اللي كنت فاكره مستحيل. دخلت، اعتذرت من غير تبرير، من غير دفاع. قلت إني غلطت، وإن خۏفي خلاني أبيع الصح بأول فرصة. دموعها نزلت، بس قالت إنها سامحتني، وإن الۏجع الحقيقي كان إني ما وثقتش فيها ولا في ربنا.
جوزها سلّم عليّ وقال كلمة حفرت فيّ: “اللي يتمسك بالصح، حتى وهو خسران، ربنا بيكسبه في الآخر.” مشيت وأنا حاسس إن حمل سنين بيتشال من على صدري. رجعت أبدأ من جديد، شغل حلال، تعب أكتر، بس ضمير صاحي.
الخاتمة
القصة دي مش عن فقر، ولا عن اختيار صعب وبس. دي عن الفرق بين اللي ېخاف فيدور على طريق سهل، واللي يثق في ربنا فيختار طريق تقيل بس نضيف. عن أخ افتكر إن اللقمة تبرر كل حاجة، وأخت عرفت إن اللي يتنازل عن ضميره مرة، هيتكسر ألف مرة.
الحړام عمره ما كان نجاة، كان دايمًا اختبار…
وفي الاختبارات، اللي بيكسب مش الأذكى،
اللي بيكسب هو الأصدق.