ماء الأمل معجزة فتاة صغيرة

كانت ردهات مستشفى سان العام للاطفال تفوح برائحة المبيض والقهوة المحترقةكرائحة يأس متخف في هيئة نظافة.
كان ذلك في مدينة مكسيكو في ليلة شتوية من تلك الليالي التي يبدو فيها الهواء خفيفا خانقا وتحول الأضواء الفلوريسنت القاسېة الجميع إلى أشباح أكثر مما هم عليه. كانت الممرضات يسرعن في خطواتهن وتصدر الأجهزة صفيرا بصبر قاس. وكل بضع ثوان كان أحد الشاشات في مكان ما يذكر شخصا ما بأن الزمن ما يزال يمضي.
لم يستطع رودريغو أسيفيدو التوقف عن الارتجاف.
لم يكن ارتجاف الأعصاب المهذب
الارتجاف الحقيقيذلك الذي يبدأ في العظام حين يرفض العقل تصديق ما تراه العينان مرارا.
على مدى ثلاثة أسابيع عاش رودريغو على كرسي مكسو بالجلد الصناعي خارج الغرفة 814 وقد تحولت بدلته المجعدة إلى ما يشبه سترة رجل غريب ونمت لحيته كاستسلام بطيء. ظل هاتفه ملتصقا بيده كأن المال والنفوذ والعلاقات يمكن الاتصال بها لانتزاع معجزة.
داخل الغرفة كان ابنه بيدريتولم يتجاوز الثالثةممددا موصولا بأجهزة وأنابيب بدت أثقل من جسد صغير كهذا. ومع كل يوم كان الطفل يزداد شحوبا وخفة وصمتا كأن الحياة نفسها تمحوه ببطء.
بنى رودريغو ثروته كلها على قناعة واحدة لكل شيء حل.
والآن كان يقف في ممر مستشفى يواجه أول مشكلة يعجز المال عن إخضاعها.
طلب الدكتور Santiago Flores رئيس قسم طب الأطفال من رودريغو أن يتحدث بهدوء بالطريقة التي يفعلها الأطباء حين يكونون على وشك ټدمير حياتك.
عرف رودريغو تلك النظرة.
الصوت المتأني. التنفس المحسوب. العيون التي تتجنب التقاء نظرك طويلا.
قال الطبيب مبتدئا وهو ينتقي كلماته كما لو كانت زجاجا
السيد أسيفيدو علينا أن نكون صادقين.
جف فم رودريغو وتشنجت يداه في قبضتين.
تابع الدكتور فلوريس لقد جربنا كل شيء. ستة بروتوكولات. اختصاصيين. استشارات دولية. فحوصات لا نجريها عادة. حالة ابنك نادرة للغاية. وفي الحالات القليلة الموثقة حول العالم
توقف الطبيب.
وكان ذلك التوقف أبلغ من أي جملة.
شعر رودريغو بأن الممر يميل.
كم بقي سأل بصوت متصدع.
خفض الدكتور فلوريس بصره.
خمسة أيام قال بهدوء. ربما أسبوع إن إن حالفنا الحظ. كل ما نستطيع فعله الآن هو إبقاؤه مرتاحا. وأن نخفف عنه المعاناة.
حدق رودريغو فيه كأن الكلمات قيلت بلغة لا يفهمها.
خمسة أيام.
ذلك موعد نهائي لعقد تجاري.
برنامج رحلة.
جدول دفعات.
لا حياة طفل.
لا بد من خيار آخر قال رودريغو وهو يمسك ساعد الطبيب بقوة يائسة. المال ليس عائقا. سأجلب أي شخص من أي مكان. سم رقمك.
لم يتراجع الدكتور فلوريس ولم يرمش.
قال بلطف لقد استشرنا الأفضل هنا وخارج البلاد. أحيانا يبلغ الطب حدوده.
أحيانا.
كلمة بدت كاستسلام.
وأضاف الطبيب أنا آسف فهبط الاعتذار كتراب على تابوت.
حين ابتعد الدكتور فلوريس ظل رودريغو جامدا إلى أن خانته ساقاه فعاد بهما إلى داخل الغرفة.
كان بيدريتو مستلقيا هناك صغيرا تحت الغطاء عيناه مغمضتان تنفسه معان وبشرته شديدة الشحوب حتى بدا الضوء كأنه يمر من خلالها. أمسك رودريغو يد ابنه الصغيرة الباردة وضغطها على جبينه كأنها صلاة.
انهمرت الدموع بلا استئذان.
كيف سأخبر كلارا فكر.
كانت كلارازوجتهفي Guadalajara لحضور مؤتمر طبي. بعد يومين. يومان. وابنه لم يبق له سوى خمسة.
ظل رودريغو يحدق في وجه بيدريتو محاولا حفظ ملامحه كما يفعل العقل حين يستشعر قدوم الفقد.
ثم فتح الباب من جديد.
مسح رودريغو وجنتيه سريعا متوقعا دخول ممرضة.
لكنها لم تكن ممرضة.
كانت طفلة.
فتاة صغيرةنحو السادسةترتدي زيا مدرسيا مهترئا وسترة بنية أكبر بمقاسين كأنها مستعارة من قريبة أكبر سنا. شعرها الداكن أشعث كأنها كانت تركض وفي يديها زجاجة بلاستيكية رخيصة مائلة إلى الذهبيمن تلك التي تباع في متاجر الأحياء.
رمش رودريغو.
من أنت طالبها.