عندما خيرني أبي بيني وبين زوجي

البيت كله وقع في صمت غريب صمت ثقيل كأنه بيزن على قلوبهم. الباب مقفول وراهم والليل بدأ يهب من الشبابيك والهواء بارد شوية. ليو واقف جمبي صغير بس وعيونه واسعة وفضولية وبيبص فيهم كأنه بيقرأهم من جوه.
بابا وقف متجمد لسه مش مصدق. وشه ابيض وعينيه بتتحركوا من وشاي للوش بتاع ليو وكأن دماغه مش قادرة تستوعب اللي بيشوفه. أمي ماسكة نفسها وعيونها مليانة دموع بس صوتها كان ضعيف.
إنتي إنتي كنتي واخدة القرار ده لوحدك بابا نطق بالكلمات دي أخيرا بصوت مرتجف من الڠضب والخۏف والدهشة كلهم مع بعض.
قلت له بصوت ثابت أيوه بابا. ماقدرتش أسيبه. ماقدرتش أسيبه لأي سبب في الدنيا.
ليو مسك إيدي وقال بصوت صغير لكنه واثق أنا عايز تعرفوا إن أنا ابنكم بس مش زي ما كنتوا فاكرين. أنا ابنها وأنا موجود!
الكلام ده زي صاعقة على البيت كله. بابا رجع على كرسيه ومسك راسه وابتدى يحاول يهضم الكلام بس كل عضلاته متوترة. أمي دخلت على المطبخ وجابت كوباية ميه حاسة إن قلبها هيقف وعيونها مش قادرة تبص على الطفل اللي قدامها.
ليه ليه مخبتوش عننا سأل بابا أخيرا صوته بين الڠضب والحزن.
لأني كنت خاېفة. خاېفة من رد فعلكم خاېفة من إنكم تمنعوني أو تاخدوا مني ليو خاېفة بس مش خاېفة منه. خاېفة عليكم من العواقب اللي كانت هتحصل لو كنتم عارفين كل حاجة قبل الوقت المناسب. قلت الكلام وقلبي بينطط.
ليو حط إيده على وشي وقال أنا مش محتاج أمان منكم. بس محتاجكم تفهموا إن ماما كانت دايما بتحاول تعمل الصح. وأنا موجود دلوقتي وكل حاجة عدت.
الصمت رجع يملأ الغرفة بس المرة دي صمت مختلف. مش خوف بس لكن صمت من دهشة صمت من مواجهة الحقيقة اللي اتأخرت عشر سنين.
أمي أخدت نفس عميق وبعد لحظة طويلة قالت إيه اللي خلاكي تتحملي كل ده لوحدك
ابتسمت ابتسامة حزن لأن الحب الأمان والرعاية مش دايما بييجوا من اللي نولد منهم. ساعات بنلاقيهم في اللي بيختاروا يكونوا جنبنا مهما حصل.
بابا قعد على الكنبة رجله بتتهز. كل ده كل ده وانت صغيرة كده صوته تقطع من الندم والصدمة.
ليو خطى خطوة لقدام رفع وشه وقال أنا ليو. أنا ابنكم وكل اللي حصل مش ذنبي. بس أيوه كل ده حصل وانا كنت موجود ومش هسيب ماما تاني.
الكلمات دي كانت زي چرح مفتوح في قلبهم. بابا بدأ يبكي بصوت خفيف وأمي مش قادرة توقف دموعها. والدموع دي مش دموع حزن بس دي دموع صدمة دموع ندم دموع على الزمن الضايع وعلى كل سنة ضاعت من حياتهم بدون ليو.
قعدنا كلنا على الكنبة ليو جنبي وأنا ماسكة إيده. وبعد نص ساعة من الصمت بابا بدأ يتكلم بصوت هادي كأن كل غضبه بدأ يسيح إحنا احنا غلطنا. معرفناش معرفناش نتعامل معاك صح.
أنا عارفة بابا. ومفيش حاجة هتغير اللي حصل. بس دلوقتي إحنا مع بعض. قلت الكلام وأنا حاسة بحړقة قلبية كبيرة بس برضه بشعور غريب بالراحة.
ابتسمنا كلنا لأول مرة من سنين طويلة اللحظة دي كانت بداية تانية لكل واحد فينا.
بعدها بدأت أحكي لهم عن كل لحظة صعبة عدت علينا عن كل شوية تعب عن كل فرحة صغيرة مع ليو عن كل يوم كنت بخاف أبكي قدامهم. كل كلمة كنت بحكيها كانت بتنزل زي سيف في قلبهم وبيحسوا بكل ثانية ضاعت منهم بدوننا.
بابا أخد نفس طويل وقال احنا مستعدين دلوقتي نتعلم نكون أهل صح. ونبدأ نصلح كل اللي فات.
وأمي بعد ما مسكت إيد ليو قالت أنا بس كنت خاېفة
بس دلوقتي مش هسيبه تاني. ومفيش حاجة تمنعنا نكون عيلة.