قصـة رسمـة قـلبت حيـاتي كامـلة بقـلم منـي السـيد

كنت فاكرة إن ضغط شهر ديسمبر آخره شوية مشاوير ودور برد وتجهيزات رأس السنة، مكنتش أتخيل أبدأ إن اللغز هيجيلي مرسوم بألوان خشب وشخبطة طفلة.

​ميس نجلاء، مدرسة الحضانة، ندهت عليا بهدوء واديتني رسمة لـ "سلمى".. عيلتنا كلها تحت نجمة كبيرة بتنور: أنا، وأحمد جوزي، وسلمى.. وجنبنا ست تانية بتبتسم، ومكتوب فوقها بوضوح: "طنط منى". ميس نجلاء قالت لي إن سلمى بتتكلم عنها كأنها حد عايش معانا وتعرفه من زمان. ابتسمت وشكرتها، وأخدت الرسمة طبقتها وحطيتها في شنطتي وخرجت.. من بره كنت ثابتة، لكن من جوه كنت بحس بكياني كله وهو بيتزلزل.

​بالليل، سألت سلمى بمنتهى الهدوء: "قوليلي يا لولي.. هي مين طنط منى دي؟"

ردت من غير تردد وبكل براءة: "دي صاحبة بابا يا ماما.. بنروح لها كل يوم سبت."

​يوم السبت.. اليوم الوحيد اللي بشتغل فيه "نبطشية" بقالي شهور عشان أسند البيت.

​سلمى بدأت تحكي بحماس عن الملاهي، والبسكويت، والكاكاو السخن، وإزاي طنط منى ريحتها "فانيليا" وشبه ريحة الكريسماس. الكلام كان يبان بريء، بس الأسئلة في دماغي كانت بتبني جبال. بدل ما أواجه أحمد وأنا معيش دليل، قررت أتصرف بذكاء السبت اللي بعده اعتذرت عن الشغل، وفتحت الـ GPS بتاع موبايل أحمد، ومشيت وراه.. قلبي كان صوته أعلى من صوت الموتور.

​موقفوش قدام كافيه، ولا دخلوا منطقة ألعاب.. وقفوا قدام عمارة هادية، ومكتب شيك منور بأنوار هادية، وعلى الباب يافطة مكتوب عليها: "دكتورة منى حامد.. استشاري تعديل سلوك وصحة نفسية للطفل".

​بصيت من إزاز المكتب.. شفت سلمى قاعدة على كنبة ومحضونة في باباها، ومنى قاعدة قدامهم على ركبها ومعاها لعبة، وبتتكلم معاهم بمنتهى الهدوء والصبر والتركيز.

​أول ما دخلت، وش أحمد جاب ألوان.. الحقيقة ظهرت بسرعة. سلمى كان بيجيلها كوابيس من ساعة ما بدأت أنزل شغل أيام السبت،  كانت مړعوپة إني مش هيرجع تاني. أحمد مكنش عارف يتصرف إزاي ولا يطمنها إزاي، فقرر يوديها لدكتورة متخصصة.. وخبا عليا عشان ميزودش ضغطي ويشيلني هم فوق همي.

​في اللحظة دي، دموعي نزلت.. دموع راحة، ودموع ذنب، وۏجع مكتوم لأني مكنتش شايفة بنتي بتمر بإيه.

​قعدنا سوا في جلسة عائلية اليوم ده، ولأول مرة نتكلم بجد.. من غير تمثيل ومن غير ما نكتم في قلوبنا.  رتبنا مواعيدنا من تاني، ووعدنا بعض إن مفيش سر هيدخل بينا مهما كان السبب.. وإننا فريق واحد بجد.

​دلوقتي، أيام السبت بقت أهدى بكتير.. فطار سوا، مشي في الجنينة، ولعب في الشمس. ورسمة سلمى متعلقة على التلاجة.. مش عشان هي ذكرى خوف، لكن عشان تفكرني إن القلوب الصغيرة بتحس بكل حاجة، وبتحاول بطريقتها الشجاعة إنها تلم الشمل وتخلينا "واحد".