مليونير يلمح خاتمًا في يد فتاة تبيع الخبز تحت المطر… وما اكتشفه بعدها غيّر حياته إلى الأبد!

كانت الأمطار تهطل بغزارة فوق حجارة شوارع سان ميغيل دي أليندي في ذلك المساء من شهر يونيو. ومن خلف الزجاج الداكن لسيارته السوداء، كان دييغو سالازار يراقب خيوط الماء الطويلة وهي تنساب، كأن السماء تفرغ أسرار سنواتٍ متراكمة.
في السادسة والثلاثين من عمره، كان دييغو قد شيّد إمبراطورية تكنولوجية من الصفر. اشترى مباني، وشركات، وحتى صمت الناس لكنه كان يحمل في عينيه ظلًّا لا يمحوه المال ظلّ فقدانه لأثمن ما يمكن للمرء أن يملكه.
كانت الإشارة حمراء. السائق ينتظر. همّ دييغو أن يقول لننطلق، حين رآها.
فتاة في نحو الخامسة عشرة تسير حافية القدمين على الرصيف المغمور بالماء، منحنية لتحمي سلة مغطاة بقطعة قماش بيضاء وقد ابتلت تمامًا. كانت القطرات ټضرب وجهها، وشعرها الداكن يلتصق بخديها، لكنها تمضي بعناد صامت، كأن ما تحمله أهم من راحتها.
توقّف، أمر دييغو، دون أن يدرك كم بدا صوته مبحوحًا.
نظر السائق إليه في المرآة مترددًا.
سيدي، إن المطر غزير
قلت توقّف.
توقفت السيارة بمحاذاة الرصيف. نزل دييغو إلى العاصفة. اخترق المطر سترته الباهظة في ثوانٍ، لكنه لم يكترث. تقدم نحو الفتاة ببطء كي لا يفزعها.
رأته فتجمّدت في مكانها. كانت لها عينان واسعتان بنيتان، كعيني كائنٍ محاصر.
هل تبيعين الخبز؟ سألها بنبرة أكثر لطفًا، كأنه يحاول أن يقلّص حضوره وهيبته وبدلته الأنيقة.
أومأت بخجل، ورفعت طرف القماش قليلًا لتُظهر قطعًا من الخبز ما تزال دافئة، مرتبة بعناية.
ثم وقعت عيناه على يدها.
في إصبعها البنصر الأيسر لمع خاتم فضي يتوسطه حجر توباز أزرق. لم يكن خاتمًا عاديًا. كانت الفضة مشغولة بدقة شبه يدوية، وكان للحجر ذلك الأزرق الفاتح الذي يبرق مع الضوء.
انطفأ العالم في عيني دييغو.
ذلك الخاتم كان قد صمّمه بنفسه. فريدًا. لا نسخة له. وفي داخله نقش صغير
د و خ. إلى الأبد.
كان قد أهداه إلى خيمينيا، زوجته التي اختفت قبل ستة عشر عامًا، وهي في شهرها الثالث من حملها بطفلتهما، تاركة رسالة لا يزال يحفظها عن ظهر قلب.
ما اسمك؟ تمكّن من السؤال بصعوبة.
سيسيليا يا سيدي، همست.
سيسيليا.
كانت خيمينيا تقول دائمًا، منذ أيام زواجهما الأولى، إنه إن رُزقا يومًا بفتاة، فستُسميها سيسيليا، على اسم جدتها.
اشترى دييغو السلة كاملة دون تفكير، ودفع ثلاثة أضعاف الثمن، ثم مدّ لها مبلغًا إضافيًا حاولت أن ترفضه.
لا يا سيدي، هذا كثير
ليس كثيرًا، قال بهدوء. إن احتجتِ أنتِ أو والدتكِ إلى أي شيء أيّ شيء اتصلي بي.
ناولها بطاقته التي تحمل رقمًا مباشرًا. أخذتها كما لو كانت شيئًا هشًا.
ظل دييغو واقفًا تحت المطر يراقبها تبتعد حافية القدمين. أراد أن ېصرخ بألف سؤال، أن ينتزع الخاتم ليتأكد من النقش، أن يركض خلفها ويقول أنا والدكِ لكنه لم يفعل. بقي في مكانه وقلبه يرتجف.
دييغو لم يتبعها.
لكن الخاتم فعل.
في تلك الليلة، في شقته بحي بولانكو، والمدينة تتلألأ خلف الزجاج كبحرٍ من نجومٍ اصطناعية، لم يستطع دييغو أن يغمض عينيه. كانت الأضواء تنعكس على السقف، والسيارات تمر في الأسفل كأنها شرايين لا تهدأ، لكنه كان يشعر بفراغٍ صاخب في داخله. جلس على طرف سريره، وفتح الدرج السفلي من خزانته، وأخرج الرسالة الصفراء التي حفظها كما يُحفظ الچرح القديم.
كانت مطوية بعناية، حتى كادت الحواف تتفتت. مرّر أصابعه على الخط الرقيق، وكأنه ېلمس يد خيمينيا نفسها. وقرأ للمرة التي لا يعرف عددها
دييغو العزيز سامحني لأنني لم أستطع أن أقول لك ذلك وجهًا لوجه. لو نظرتُ في عينيك لما استطعت الرحيل. يجب أن أذهب لأحميك. أخي داميان تورّط مع أشخاص خطرين