مايسه بقلم رميسة


على أمل أن تقول أي شيء لكنه لم يحصل على رد.
رفعت حاجبيها اخيرا ونظرت إليه لكن نظرتها كانت خاوية خالية من أي مشاعر وكأنها لم تعد تراه بنفس الطريقة. تقدمت إلى طاولة المطبخ سكبت كوبا من القهوة وجلست على الكرسي دون أن تعطيه أي اهتمام.
يوسف شعر وكأنها تدفعه للخارج بصمتها وكأن وجوده أصبح غير مرئي بالنسبة لها.
رحيل أنا عارف إنك زعلانة وعارف إن اللي حصل خلاكي تشكي فيا بس لازم تفهمي إن الموضوع أبسط مما تتخيلي
واللي حصل مش زي ما انتي
فاكرة.
بسيط يوسف أنا تعبت.. مش قادرة أعيش وأنا عندي إحساس طول الوقت إنك ممكن تخذلني في أي لحظة.
نظر إليها بأسف مد يده ليضعها على يدها لكنها سحبتها فورا وكأن لمسته باتت غريبة عنها.
أنا... أنا بس كنت عايزك تفهميني وتسامحيني زي ما كنتي دايما بتسامحيني.
تنهدت بعمق ثم نهضت بهدوء.
خلاص يا يوسف الكلام مش هيفيد دلوقتي.
اقترب أكثر جلس أمامها مباشرة محاولا التقاط نظراتها الهاربة.
رحيل والله ماكانش في حاجة بنتي كانت عايزاني أقعد معاهم شوية.. إزاي تفتكري إني ممكن أخونك
رفعت عينيها لكن نظرتها كانت باردة كلماته لم تحرك فيها أي شيء. وضعت الكوب بهدوء وقالت بصوت خاڤت لكنه محمل بالڠضب المكتوم
الخېانة مش بس أفعال يوسف.. ساعات بتكون مشاعر ساعات بتكون مجرد لحظة ضعف.. وأنا زهقت من إني دايما اللي بحاول أفهم وأسامح.
ارتبك يوسف للحظة شعر أن الأرض تنسحب من تحته.
أنا ما... ما عملتش حاجة غلط رحيل. مستحيل تفكري كده.
وقفت فجأة ابتعدت عنه قليلا ثم التفتت إليه بعينين مليئتين بالألم.
وأنا كمان مستحيل كنت
أتخيل
إننا نوصل لكده.
تركته واقفا واتجهت نحو الصالة لكنه لم يستسلم.
رحيل استني!
توقفت للحظة عند الباب لكنه عندما اقترب منها رفع يده ليضعها على كتفها انسحبت بسرعة وكأنها تخشى أن يلمسها.
متلمسنيش يوسف.. مش عارفة أصدقك ولا أصدق إحساسي.. بس اللي متأكدة منه إني تعبت.
خرجت من المطبخ دون أن تلتفت خلفها تاركة يوسف غارقا في صمته وندمهيشعر وكأنه يفقدها شيئا فشيئا دون أن يعرف كيف يمنع ذلك.
في المساء خرجت رحيل تمشي في الشوارع بلا هدف لكنها شعرت أنها بحاجة إلى من تستمع إليها. وجدت نفسها أمام أحد المقاهي التي كانت تذهب إليها مع صديقتها ليلى فقررت الدخول وجلست تنتظرها.
لم يمر وقت طويل حتى جاءت ليلى جالسة أمامها بوجه مليء بالقلق.
مالك يا رحيل من صوتك في التليفون وأنا حاسة إن في حاجة غلط وشك تعبان قوي وحاسة إنك مش في حالتك الطبيعية!
نظرت إليها رحيل وكأنها تحاول السيطرة على دموعها لكن في النهاية اڼفجرت تحكي كل شيء كيف شعرت بالخېانة كيف قضت الليلة الماضية في
صراع داخلي وكيف أصبحت تشعر أنها مجرد ظل في حياة يوسف وعن إحساسها الدائم بأنها في معركة لا تنتهي.
استمعت ليلى إليها بصمت ثم أمسكت يدها بحنان قائلة
بصي يا رحيل الحب مهم بس كرامتك وراحتك النفسية أهم. انتي محتاجة تخرجي من الدوامة دي.. ترجعي تهتمي بنفسك تعيشي حياتك بعيد عن القلق ده.
انتي لازم تعملي حاجة لنفسك حاجة تخليكي تحسي إنك مش بس زوجة وأم انتي كمان إنسانة ليها شغف وطموح.
رحيل بصوت خاڤت
أنا... مش عارفة اعمل ايه !
ليه متفكريش ترجعي شغلك
رفعت رحيل عينيها ببطء كأنها تفكر لأول مرة في هذا الاحتمال.
الشغل بس... أنا تركته بعد الجواز.
زمان كنتي إنسانة مستقلة كنتي عندك شغف كان عندك طموح... فين رحيل اللي كانت بتحب شغلها
صمتت رحيل وكأنها تسترجع ذكرياتها. قبل الزواج كانت مصممة ديكور ناجحة تحب عملها تعشق التفاصيل كانت تشعر أن لها قيمة بعيدا عن أي شخص آخر. لكنها تركت كل شيء بعد الزواج كانت تظن أن الحب وحده يكفي ليملأ حياتها. والآن الآن تشعر
بأنها ضائعة.
رحيل بهمس
كنت بحب شغلي.
ليلىبابتسامة مشجعة
طيب ليه متفكريش ترجعي متخليش حياتك كلها متعلقة بيوسف لازم تلاقي نفسك من تاني.
نظرت لها رحيل بتردد ...
أيوه رحيل.. ارجعي لشغلك ! انتي كنت مصممة ديكور شاطرة وحبيتي شغلك ليه تسيبيه بسبب حد استعيدي نفسك مش لازم تعتمدي على وجود يوسف عشان تحسي بقيمتك! انتي طول عمرك شاطرة وكان عندك طموح ليه سبت كل حاجة علشانه يمكن لو رجعتي تشتغلي تفوقي من اللي انتي فيهمتخليش حياتك كلها متعلقة بيوسف لازم تلاقي نفسك من تاني.
كانت كلمات ليلى كصڤعة أيقظت شيئا ما داخل رحيل شيء كاد يندثر وسط الخيبات. ربما كان عليها أن تفكر في نفسها
قليلا ربما العمل سيكون طريقها للخروج من هذه الدوامة.
في شركة يوسف كان يحدق في الأوراق أمامه لكنه لم يكن قادرا على التركيز. كان عقله عالقا في حديث رحيل وما حدث الليلة الماضية لأول مرة يشعر أن الأمور قد تفلت من بين يديه.
جلس في مكتبه أخرج هاتفه وكتب لها رسالة
رحيل لو سمحتي
خلينا نتكلم بهدوء النهارده لما أرجع.
لكنه تردد ولم يرسلها.
شعر وكأن أي كلمة ستبدو فارغة أو بلا معنى بعد ما حدث.
مستر يوسف عندك اجتماع بعد نص ساعة.
رفع رأسه ببطء ناظرا إلى مساعدته التي كانت تنتظره عند الباب. أومأ برأسه دون أن يقول شيئا ثم نظر مجددا إلى هاتفه مترددا بين الاتصال بها أو تركها تهدأ لبعض الوقت.
لكنه لم يكن يعلم أن هناك من يشعر بالانتصار الآن...
في أحد الكافيهات الهادئة جلست يارا على طاولة بالقرب من النافذة تتأمل الشارع بنظرة تحمل ثقة وكأنها ترى الأمور تسير لصالحها وأن قربها من يوسف بدأ يؤثر عليه لكنها تعلم أن الأمر ليس بهذه السهولة.
لم تمر سوى دقائق حتى وصلت صديقتها وجلست أمامها بابتسامة فضولية.
سمر بابتسامة وهي تضع حقيبتها على الكرسي بجانبها
واضح إنك مبسوطة النهارده في حاجة حصلت
يارا بابتسامة خفيفة وهي ترفع كوب القهوة إلى شفتيها
ممكن نقول كده الليلة اللي فاتت كانت كويسة جدا حاسه إن في حاجات بتتغير.
سمر بحماس
احكيلي! يوسف بدأ يلين معاكي يعني حسيت
إنه ممكن يرجعلك
يارا بثقة
هو لسه مش مدرك ده بس آه بدأ يحس بالفرق بدأ يفتكر أيامنا مع بعض وده اللي كنت مستنياه.
سمر بحذر
بس إنت عارفة إنه متجوز ورحيل مش هتسيبه بالساهل ما تعتبريش نفسك كسبتي لسه.
يارا بهدوء وهي تقلب الملعقة في فنجانها
رحيل مشكلتها إنها بتشك فيه وده اللي هيبعدها عنه و هيكون سلاح ضدها. يوسف مش من النوع اللي بيتحمل الضغط ده وفي الآخر هيدور على اللي بيرتاح معاها. وهنا بقا أنا هكون البديل اللي بيرتاح معاه.
سمر وهي تميل للأمام باهتمام
بس إنت متأكدة إنه حس بحاجة يعني كان مختلف معاك
يارا بابتسامة جانبية
كفاية إنه قعد معايا أكتر من أي وقت فات وتردده لما الطفلة طلبت منه يخرج معانا ده في حد ذاته خطوة. يوسف مش بيعمل حاجة هو مش عايزها وأنا عارفة ده كويس.
سمر بتفكير
بس رحيل مش هتسكت أكيد عرفت إنه كان معاكي.
يارا ببرود
لو عرفت يبقى هتشوف بنفسها اللي كنت بقوله يوسف مش زي الأول ودي البداية.
ابتسمت يارا بثقة وهي تميل
للخلف في مقعدها تشعر أن خطتها تسير كما تريد دون أن تدرك أن القدر قد يحمل لها مفاجآت لم تكن في الحسبان.
عادت رحيل إلى المنزل وهي تفكر في كلام صديقتها. هل هذا هو الحل هل العودة للعمل ستجعلها تشعر بأنها قوية من جديد
دخلت المنزل وجدت يوسف يجلس في الصالة
رفع عينيه نحوها فور دخولها وكأنه كان ينتظرها.
كنتي فين سألها بنبرة تحمل بعض القلق.
لم تجبه مباشرة بل وضعت حقيبتها على الطاولة خلعت معطفها ثم التفتت إليه وقالت بهدوء حازم
كنت مع ليلى
ثم اضافت
انا قررت قرار أنا هرجع لشغلي.
تجمدت ملامح يوسف لثوان وكأنها ألقت عليه قنبلة لم يكن مستعدا لسماعها. رفع حاجبيه قليلا محاولا استيعاب الأمر ثم اقترب منها خطوة.
يوسف بتوتر شغلك قصدك التصميم
رحيل بإيجاز أيوه كنت بشتغل قبل ما نتجوز ولما اتجوزنا سيبته عشانك لكن دلوقتي عايزة أرجع ده قراري.
شعر يوسف بشيء ما ينقبض في صدره لم يكن ضد عملها لكنه لم يتوقع أن تلقي عليه هذا القرار هكذا وبكل هذه
الحسم. كان يدرك أن الأمر ليس مجرد وظيفة بل خطوة أخرى تبتعد بها عنه تثبت له أن مكانه في حياتها لم يعد كما كان.
يوسف يحاول كتمان انزعاجه وأنا مش المفروض تتكلمي معايا في حاجة زي دي قبل ما تقرري
رحيل بهدوء ولكن بحدة خفية زي ما إنت بتاخد قراراتك لوحدك أنا كمان ليا الحق آخد قراراتي خاصة لما تكون تخصني أنا.
كلماتها أصابته في الصميم أدرك أنها تلمح لما حدث وأنها لم تسامحه بعد بل ربما لن تسامحه أبدا. تراجع خطوة للخلف شعر وكأنها تنسحب تدريجيا من حياته وكلما حاول الاقتراب وجدها تشيد جدارا جديدا بينهما.
يوسف بصوت منخفض وكأنما يحدث نفسه حاسس إنك بتبعدي عني وإنك مش عايزاني في حياتك زي الأول.
رحيل تلتفت إليه أخيرا تنظر في عينيه مباشرة أنا مش بعدت إنت اللي خليتني أفكر لوحدي.
صمت يوسف لم يجد ردا كافيا شعر وكأنها تبتعد عنه بطريقة لم يستطع إيقافها. شاهدها تدخل غرفة النوم دون أن تلتفت وبقي هو واقفا في مكانه
يتساءل إن كان لا يزال جزءا من حياتها أم أنه أصبح مجرد تفصيل قديم في قصتها الجديدة.
في صباح اليوم التالي
كان يوسف جالس في مكتبه يحاول التركيز على الأوراق المبعثرة أمامه لكن عقله كان في مكان آخر... في البيت مع رحيل ومع كلمتها التي ما زالت تتردد في أذنه
قررت أرجع شغلي.
لم يكن يتوقعها لم يكن مستعدا لها لكنها قالتها بثقة كأنها كانت تفكر فيها منذ مدة طويلة. لم تعترض لم تشتكي فقط أخبرته بقرارها وكأن وجوده في حياتها لم يعد مركزها الوحيد وهذا ما أزعجه أكثر من أي شيء.
ارتكز بمرفقيه على المكتب وسند رأسه بين يديه يشعر بقلق غير مفهوم. رحيل كانت دوما تعتمد عليه كانت تراه عالمها لكنه الآن يشعر أنها تحاول استعادة جزء منها كان قد نسي بعد زواجهما. هل كان خطأه أنه جعلها تشعر بأنها فقدت ذاتها
أمسك بهاتفه بتردد أراد أن يرسل لها رسالة يسألها يستفسر أكثر لكنه تراجع... لم يكن يعرف ماذا سيقول وكيف سيواجه فكرة
أنها قد
تكون سعيدة بقرارها بعيدا عنه.
تنهد بعمق نهض من مكتبه وسار نحو النافذة يراقب الشارع أسفله لكن ذهنه كان غارقا في سؤال واحد... هل رحيل بدأت بالفعل في الابتعاد عنه

الفصل الثاني عشر بين الغيرة والتغيير
بعد أن أنهى يوسف عمله وعاد إلى المنزل في الليلة الماضية وجد رحيل جالسة على الأريكة تبدو هادئة لكن بعيدة. حاول أن يتجاهل مشاعره المضطربة طوال اليوم لكنه لم يستطع. اقترب منها وجلس بجوارها يحاول أن يجد الكلمات المناسبة ليبدأ الحديث.
يوسف بنبرة هادئة لكنها جادة رحيل عاوز أتكلم معاك
في موضوع مهم.
رحيل ترفع عينيها إليه خير
يوسف عن موضوع شغلك... إنت متأكدة إنك عاوزة ترجعي
نظرت إليه بتركيز وكأنها كانت تتوقع هذا الحديث.
رحيل بحزم يوسف أنا مش محتاجة حد يقولي أنا عاوزة إيه. أنا قررت وهشتغل.
يوسف بتوتر أنا مش ضدك بس إنت كنت مرتاحة في البيت ليه فجأة عاوزة ترجعي
رحيل تنظر بعيدا لأني تعبت من إني أبقى بس في البيت مستنية حاسة إني لازم أرجع لنفسي لحياتي
قبل الجواز.
تضايق يوسف من كلماتها شعر وكأنها تقول إنها لم تعد تجد نفسها معه.
يوسف بهدوء لكن بعصبية داخلية يعني أنا اللي حبستك عمري ما قلتلك متشتغليش إنت اللي قررت تسيبي شغلك بعد الجواز.
رحيل بصوت منخفض لكنه قوي لأن وقتها كنت فاكرة إن حياتي الجديدة معاك هتكون كافية... بس دلوقتي حاسة إن محتاجة أكتر.
كان بإمكان يوسف أن يشعر بأنها تبتعد أكثر وكأنها تضع مسافة بينهما لا يستطيع تجاوزها.
لم يجد يوسف ردا لكنه شعر أن محاولاته لمنعها لن تجدي نفعا وأن رحيل مصممة على هذا القرار.
ظلت كلمات ليلى تتردد في ذهن رحيل طوال الليل حتى قررت أنها لن تؤجل الأمر أكثر. بحثت في هاتفها عن رقم مديرها السابق تواصلت معه وبالفعل حصلت على فرصة للعودة إلى شركتها القديمة كمصممة ديكور بنفس الشغف الذي بدأته به يوما.
كان الصباح مختلفا هذه المرة في منزل يوسف ورحيل ليس فقط بسبب الأجواء المتوترة التي خيمت عليه منذ الليلة الماضية بل لأن رحيل كانت تستعد للخروج بعد
فترة طويلة من البقاء في المنزل. وقفت أمام المرآة ترتب ملابسها لم تكن هذه المرة مجرد خروجة عادية بل كانت بداية جديدة... عودة للعمل بعد سنوات من التوقف.
جلس يوسف يتأمل رحيل التي كانت تستعد للخروج إلى عملها الجديد ترتدي ملابس أنيقة وتضع لمسات بسيطة من المكياج شيء لم يعتد عليه منذ زواجهما. كانت تبدو سعيدة متحمسة وكأنها استعادت جزءا من ذاتها التي تناستها منذ سنوات.
لم يكن قرارا سهلا عليها لكنها شعرت أنها تحتاج إلى خطوة تعيد لها جزءا من ذاتها التي تناستها منذ زواجها. التفتت نحو حقيبتها وضعت فيها بعض الأوراق والدفاتر وقبل أن تخرج سمعت صوت يوسف من خلفها.
يوسف وهو يراقبها باهتمام بجد مش مستوعب إنك خلاص راجعة الشغل... مكنتش متوقع إن القرار ده هيكون فجأة كده!
رحيل بهدوء وهي تحمل حقيبتها مكنش فجأة يمكن أنت اللي مكنتش واخد بالك...
الشغل ده كان دايما جزء مني وزي ما قلتلك محتاجة أرجع لنفسي شوية.
نظر إليها يوسف نظرة غريبة لم يكن رافضا
لفكرة عملها لكنه شعر أن هناك شيئا يتغير وكأن المسافة بينهما بدأت تتسع دون أن يدرك كيف لم يكن هذا مجرد عمل بل بداية تغيير لم يكن مستعدا له.
دخلت المربية بابتسامة دافئة حملت الطفلة التي كانت تحتضن دميتها الصغيرة ونظرت لأسيل قائلة
المربية متقلقيش هنبقى تمام وهبعتلك صورها أول ما تصحى.
رحيل مبتسمة وهي تقترب لتقبل ابنتها كوني شطورة ماما وبابا هيرجعوا بدري.
يوسف وهو يربت على رأس الطفلة اسمعي كلام ناني وهجيبلك مفاجأة وأنا راجع.
ابتسمت الطفلة وهي تلوح لهما بينما غادرا المنزل معا كل واحد منهما غارق في أفكاره حول اليوم الجديد الذي ينتظرهم.
بعد سنوات من ترك العمل لم تتوقع رحيل أن تعود إلى شركتها القديمة أن تعود إلى نفس الأجواء التي اعتادت عليها قبل زواجها. شعرت بمزيج من الحنين والخۏف. وكأنها تستعيد ذكريات قديمة كانت مدفونة.
وقفت رحيل أمام مبنى الشركة تنظر إليه وكأنه عالم غريب كانت تعرفه يوما لكنها الآن تشعر وكأنها تزوره للمرة الأولى. أخذت نفسا عميقا شدت على حقيبتها
ثم تقدمت بخطوات ثابتة نحو المدخل. كل خطوة تخطوها كانت تسترجع معها ذكريات عملها السابق اللحظات التي قضتها بين المكاتب والمشاريع والاجتماعات التي كانت تمتلئ بالحماس والتحدي.
في الداخل كان الجو مألوفا لكنه يحمل بعض التغييرات. مرت بنظرات زملاء لم تتعرف على بعضهم بينما آخرون ألقوا عليها التحية بابتسامات دافئة. قبل أن تتمكن من استيعاب كل شيء وجدت ليلى تندفع نحوها بحماس واضح تعانقها بسعادة.
ليلى بحماس شديد وأخيرا! رجعتي تاني لعالمنا! كنت مستنية اليوم ده بقالنا كتير.
رحيل تضحك بتوتر بصراحة مش قادرة أصدق إني هنا تاني... المكان كله حاساه غريب شوية.
ليلى تمسك يدها وتسحبها معها طبيعي غيبتي فترة طويلة بس متقلقيش هترجعي تتعودي بسرعة. أول حاجة لازم أوريكي إيه اللي اتغير وبعدها نروح نشوف مكتبك الجديد.
بدأت ليلى تأخذها في جولة داخل الشركة تشرح لها التحديثات التي طرأت على المكان وكيف أن الفريق تغير بعض الشيء لكن الأجواء بقيت كما هي. في الطريق التقت رحيل ببعض الزملاء القدامى الذين استقبلوها بحفاوة واضحة.
نور
بابتسامة ودودة رحيل! مستحيل! رجعتي تاني والله نورتي المكان!
رحيل تبتسم بخجل الله يخليك حقيقي وحشتوني كلكم.
استمرت الجولة حتى وصلت إلى مكتبها الجديد حيث جلست على الكرسي تحاول استيعاب أن هذا المكان عاد ليكون جزءا من حياتها مجددا. تنهدت بهدوء وهي تشعر بمزيج من الراحة والقلق.
كانت منهمكة في ترتيب بعض الأوراق عندما سمعت صوتا مألوفا من خلفها
مش معقول... رحيل!
التفتت بسرعة لتجد محمود زميلها القديم يقف أمامها بابتسامة عريضة. لم يتغير كثيرا لا زال بنفس الملامح الجادة لكن مع لمحة ودودة في
عينيه.
كان محمود زميلا قديما وكان بينهما علاقة صداقة قوية في الماضي لكن حديثهما البسيط جعلهما يشعران وكأن الوقت لم يمر.
رحيل مندهشة محمود! بجد مش مصدقة إنك لسه هنا!
محمود ضاحكا وأنا مش مصدق إنك رجعتي! كنت فاكر إنك خلاص ودعت المجال بعد الجواز!
رحيل تبتسم بخفة آه كنت فاكرة كده برضو بس واضح إن الحياة دايما ليها رأي تاني.
جلس محمود على الكرسي المقابل لها ينظر إليها باهتمام.
محمود أنا فاكر قد إيه كنت
متميزة وأفكارك كانت دايما مختلفة. زمان لما كنت بتدخلي أي مشروع كان كله بيتغير. بجد رجوعك هيكون إضافة كبيرة لينا.
رحيل بهدوء ده اللي أنا عاوزاه... عاوزة أحس إني بعمل حاجة لنفسي إني مش مجرد حد قاعد في البيت مستني أي حاجة تحصل.
محمود ينظر إليها بتركيز إنت كويسة صح
ترددت قليلا قبل أن تجيب وكأن السؤال لمس جزءا حساسا داخلها.
رحيل بابتسامة خفيفة لكنها مرهقة أنا بحاول.
نظر إليها محمود وكأنه يفهم أكثر مما تقوله كلماتها لكنه لم يضغط عليها أكثر.
محمود المهم إحنا عندنا مشروع جديد وعاوزين حد يشتغل عليه من البداية إيه رأيك تكوني المسؤولة عنه
رحيل بعيون متحمسة بجد! ده هيكون بداية قوية جدا بالنسبة لي!
شعرت رحيل بحماس لم تشعر به منذ زمن وأدركت أن قرار العودة لم يكن مجرد هروب من مشاكلها مع يوسف بل خطوة حقيقية لاستعادة ذاتها.
في هذه الأثناء كان يوسف في مكتبه لكنه لم يكن يركز على أي شيء. كان فكره مشغولا برحيل بقرارها المفاجئ بالعودة للعمل وبالتغيير الذي
بدأ يلاحظه عليها. كان يحاول التركيز في الأوراق أمامه لكن صورة رحيل وهي تبتسم بحماس لم تفارق ذهنه.
هي ليه بتبعد بالشكل ده هل انا السبب في ذلك 
لم يكن غاضبا من قرارها لكنه شعر أن شيئا ما بدأ يتغير وكأنه لم يعد الأولوية في حياتها. كان هذا الشعور جديدا عليه ولم يعرف كيف يتعامل معه.
قطع تفكيره صوت هاتفه نظرة سريعة على الشاشة جعلته يتردد قبل الرد... كانت يارا.
يوسف ببرود خير في حاجة
يارا بصوت ناعم متقلقش مش هعطلك بس كنت حابة أقولك إن بنتك سألت عليك الصبح وهي كانت مبسوطة قوي لما خرجنا امبارح... تفتكر مش مستاهلة إننا نكون مع بعض كعيلة من تاني
ضغط يوسف على أسنانه شعر أنها تحاول استغلال أي ثغرة بينه وبين رحيل.
يوسف يارا أنا متجوز واللي حصل امبارح كان مجرد حاجة تخص بنتي مفيش أي حاجة تانية بينا.
يارا بابتسامة خفيفة وكأنها لا تصدقه لو بتقول كده علشان نفسك تقتنع فأنت حر... بس في الآخر اللي بينا عمره ما
كان مجرد حاجة وانتهت.
بس تفتكر فعلا اللي بينا انتهى
أغمض يوسف عينيه محاولا السيطرة على أعصابه لكنه شعر أن يارا تعرف كيف تضغط على نقاط ضعفه.
يوسف يارا بلاش الحوارات دي.
يارا بهدوء أنا مش بضغط عليك بس أوقات بحس إنك مش عارف إنت عاوز إيه.
أنهى يوسف المكالمة وهو يشعر بضغط أكبر مما كان عليه لكنه تجاهل الأمر وقرر التركيز على يومه.
أغلق يوسف الهاتف وهو يشعر بتوتر غريب وكأن يارا نجحت في زرع بذرة شك في داخله. هل فعلا رحيل بدأت تبتعد وهل هو السبب!
الفصل الثالث عشر ترقب وحنين
بعدما أنهت يارا مكالمتها مع يوسف ظلت تمسك بهاتفها لثوان وعقلها يعمل بسرعة. كانت نبرته مترددة وكلماته حذرة لكنه لم يغلق الباب تماما... وهذا يعني أن لديها فرصة.
وضعت الهاتف على الطاولة وأسندت ظهرها إلى الأريكة بينما عيناها تلمعان بأفكار متشابكة. يوسف لا يزال مترددا وهذا يعني أنه لم ينسها بالكامل أو على الأقل لا يزال هناك جزء منه يشعر بالضعف تجاهها. لكن رحيل... رحيل
أصبحت عقبة في طريقها والوقت ليس في صالحها.
نهضت من مكانها وبدأت تمشي في الغرفة ذهابا وإيابا تفكر في خطوتها القادمة. لا يمكنها الانتظار أكثر يجب أن تكون ذكية هذه المرة أن تختار الطريقة الصحيحة لإبعاد رحيل عن يوسف دون أن تدفعه للنفور منها.
ابتسمت بخبث وهي تهمس لنفسها
لو يوسف مش عارف يقرر أنا هقرر له بنفسيكل اللي فات كان مجرد بداية..
جلس يوسف في الصالة ينظر إلى ساعته للمرة العاشرة خلال نصف ساعة. كان قد أنهى عمله وعاد للمنزل ليجد نفسه وحيدا والصمت يملأ المكان. لم يكن هذا هو المعتاد. لطالما كانت رحيل في انتظاره تسأله عن يومه تحضر له الطعام تشاركه الأحاديث العفوية. لكنه الآن وحده وهي في الخارج تعمل تستعيد حياتها التي كان يظن أنها أصبحت تدور حوله فقط.
شعر بانزعاج لم يستطع تفسيره وكأن جزءا من عالمه أصبح خارج سيطرته. منذ أن قررت العودة للعمل بدأت تتغير تبتعد عنه شيئا فشيئا. كان يدرك أنها لم تعد نفس المرأة التي كانت
قبل شهور تلك التي كانت تنتظر اهتمامه وكلماته. الآن لم تعد بحاجة له كما كان يظن.
حاول إقناع نفسه أن ما تفعله أمر طبيعي أنها تريد فقط أن تشغل وقتها لكنه لم يستطع الهروب من شعور الغيرة. هل التقت بزملاء قدامى هل وجدت في