رواية كامله


بخير سعيدة 
لمحت بعينيه شيء يشبه الالم أنه الالم ذاته الذي اعيشه كلما ذهبت لمنزل والدي وفتحت صندوق ذكرياتي معه ونظرت بعيني الي اخر صوره التقطناها معا كأبناء عمومه ترددت ثم قلت بجواب ناضج لا يخون أحدا
أنا بخير وراضيه بما اختاره الله لي.
ابتسم ابتسامة متعبة ثم قال
كنت أخشى أن أراك حزينة لأنني ما زلت أدعو لك أن تكوني بخير حتى بعد كل ما حدث.
تلك الجملة كسرت شيئا بداخلي. لا لأنه ما زال يتذكرني بل لأنه لم يحمل بين كلماته أي لوم أي عتاب أي تمن مستحيل فقط دعاء.
سألني فجأة بصوت يشبه اعترافا آخر متأخرا
أروي هل كان من الممكن أن يكون لنا مستقبل آخر
ترددت أن أجيبه. فالأسئلة التي تطرح بعد الفقد ليست أسئلة إنها مناديل لمسح شيء لا يمحى. لكنني قلت
ربما. لو أن الزمن أنصفنا. لو أن الخلافات لم تكن أكبر منا. لكن الأمور لم تسر هكذا وللاسف أنا لم أعد حرة لأعيد ترتيب الماضي.
قال بهدوء عميق
وأنا عدت الآن لكن بعد فوات كل شيء. تأخرت عنك وعن نفسي وعن الحلم الذي تركناه ېموت.
لم أتكلم. كنت أعلم أنه لا يطلب عودة ولا فتح فصل قديم بل كان يحاول فقط أن يغلقه بشكل نظيف لا بالصمت ولا بالهرب بل بالمواجهة.
قلت له وأنا أنظر إلى أطفالي يركضون في آخر القاعة
هناك حياة بنتني من
جديد. هناك
وجوه تحتاجني وأمانة أحملها. لم أعد أملك أن أفكر بقلبي وحده.
نظر إليهم بصمت طويل ثم قال
إذن أنت سعيدة
قلت بابتسامة ثابتة لا تنتمي للفتاة التي كنتها بل للمرأة التي صرتها
نعم. بحمد الله حتى وإن بقي جزء صغير مني لا يزال يحن لشيء كان.
أخفض رأسه قليلا ثم رفعه وقال
وأنا ما زلت أحملك في الدعاء. ليس لأنني أريد أن أستعيدك بل لأنك النسخة التي لا تتكرر من قلبي.
حين قالها علمت أن هذا سيكون آخر حديث بيننا. ليس لأن المشاعر ماټت بل لأننا كبرنا عنها. هناك حب يولد ليعاش وهناك حب يولد ليحفظ مثل قصيدة لا تلقى بصوت بل تخبأ بين الصفحات.
غادر بهدوء. لم يطلب رقما ولا لقاء آخر ولا فرصة ثانية. ترك لي شيئا واحدا فقط سلاما جميلا لم نتبادله حين افترقنا زمانا.
ومنذ ذلك اليوم لم أره.
لكني لم أعد أحزن حين أتذكره.
أصبحت أدعو له كما أدعو لنفسي
اللهم اجعل طريقه نورا وطمأنينة وبركة حتى إن لم يكن فيه شيء مني.
علمني ذلك اللقاء أن الحب الأول لا يخرج من القلب لكنه يغير مكانه فيه.
لا يعود چرحا ولا يصبح خېانة للواقع بل يتحول إلى ذكرى صافية لا تطلب شيئا سوى أن نبتسم حين نتذكرها.
أنا اليوم امرأة أم زوجة لكنني أيضا فتاة أحبت مرة واحدة بصدق وأدركت أخيرا
ليس كل حب نريده نصيبا
وليس كل فراق خسارة
أحيانا يكون الوفاء
أن تترك
الباب مغلقا وأن تكتفي بالدعاء.
حكايات_اسما