طلّقني زوجي ليتزوج أختي الصغرى

للمطر في بورتلاند شخصية خاصة. ليس عاصفا كعواصف فلوريدا ولا يشبه حبات البرد التوراتية في وسط البلاد بل هو مطر صبور متسلل يلح بهدوء أكثر مما يفرض نفسه بالقوة. في عامنا الثامن من الزواج أصبح المطر هو الإيقاع الذي نقيس به أمسياتنا. المزاريب خارج منزلنا الخشبي الصغير كانت تحدث خريرا منتظما قال مارك مازحا يوما إنه يشبه إيقاع 44 الموسيقي بينما أعلق زي التمريض المبلل على ظهر الكرسي في غرفة الطعام وهو يعيد تسخين بقايا طعام تايلندي في الميكروويف.
كان لدينا غابة صغيرة من النباتات على حافة النافذة الأمامية وقطعة خميرة عتيقة لخبز العجين المختمر على سطح المطبخ ومغناطيس على الثلاجة يحمل تقويم عيادة طبيب الأسنان العائلي مدون عليه اسمانا كما لو كنا وحدة واحدة ثابتة مارك كلير. زيارتان في السنة ملونتان على التقويم.
كانت الحياة الزوجية لفترة من الزمن أشبه برقصة لطيفة منسقة. عادات صغيرة تضيء اليوم عادة مارك في أن يخبئ قطعة شوكولاتة داكنة في حقيبة طعامي أثناء أسابيع نوبات الليل وملاحظاتي الورقية المطوية التي أضعها في حقيبة حاسوبه قبل عروضه في العمل وعادة أن نشتري دجاجة مشوية من المتجر كل أحد ونحولها إلى ثلاث وجبات لأن الترشيد معا كان يبدو حلما مشتركا. منحتنا بورتلاند نظاما بيئيا مفهوما قطارات خفيفة عربات طعام في الشوارع متجر تعاوني يسألك فيه الموظف عن يومك بجدية معالج نفسي.
كنا من ذلك النوع من الناس الذين يتجادلون بأدب حول مسارات الدراجات وإعادة التدوير. كنا من النوع الذي يصنع بيتا.
ثم كانت هناك إيميلي.
أختي الصغرى بخمس سنوات كانت دائما أشبه بذيل مذنب تعلمت أن أراقبه بدل أن أطارده. في كل صورة عائلية كانت تشع حضورا. لم تكن جمالا صارخا بقدر ما كانت لمعانا في الوجود طريقة في احتلال المكان تجعلك تشعر في الوقت نفسه بأنك مشمول ومهمش.
نشأنا في بيت متواضع بطابقين في بيفرتون. كنت أنا المسؤولة التلميذة المتفوقة أول من حصل على عمل جزئي في محل زبادي مجمد والسائقة المكلفة في ليلة الحفلة المدرسية. أما إيميلي فكانت تطفو. هي تلك الفتاة التي تنسى مشروع العلوم لكنها تسحر الصف بعرض مرتجل عن قوة الطرد المركزي مستخدمة ذيل حصانها وكرسيا دوارا.
والدانا وهما معلمان في المدرسة الثانوية لم يقصدا أن يحباها أكثر. كانا يحباننا بطريقتين مختلفتين وغير كاملتين لكن حتى تنهداتهما المتعبة كانت تحمل شيئا من الرضا عندما تكون هي موضوع الحديث.
كانت أمي تقول لي نصف معجبة ونصف يائسة
أختك تدخل الغرفة وكل الملاعق ترفع رؤوسها وتنظر إليها.
فتعلمت أن أرتب المائدة بيد ثابتة وألا أنظر إلى الملاعق.
حين انتقلت إيميلي إلى بورتلاند من أجل عمل في شركة تسويق صغيرة بدا وكأن المدينة نفسها تنحني قليلا لتفسح لها مكانا. تنقلت بين الشقق في أحياء ذات أسماء طريفة وظهرت في حفلات الانتقال إلى بيت جديد وهي ترتدي فساتين صيفية وجاكيتات جلدية في أشهر يرتدي فيه الجميع أحذية مطر. كانت تأتي إلى منزلنا للعشاء حاملة فطيرة من مخبز أنيق بقشرة مثالية وقحة كأنها تتفاخر بكمالها.
كان مارك يحبها. الجميع كانوا يفعلون. كان يسألها عن عملائها مصانع بيرة محلية متجر آيس كريم يصنع نكهة فلفل أسود مع لافندر يقف الناس من أجلها في طابور طويل فتقص علينا حكايات تجعلنا نشعر أن المدينة كائن حي أصبح صديقنا.
لم أر شيئا مريبا في البداية. لو أن أحدا أخبرني آنذاك بما سيحدث لاحقا ربما ضحكت لأن هناك أنواعا من الأڈى لا نسمح لها بالدخول إلى شكل حياتنا حتى تفرض نفسها علينا بيد لا يمكن إنكارها.
كانت الإشارات الأولى صغيرة. كأس ثانية من النبيذ حين كان مارك عادة يكتفي بواحدة. تردد قبل أن يجيب على رسالة وانحراف صغير في نظرة عينيه نحو المطبخ حيث ترك هاتفه والشاشة متجهة إلى الأسفل. نكتة يكررها ليست من أسلوبه أصلا. تغير طفيف في نبرة ضحكته شعرت به ثم تجاهلته وقلت مجرد تعب. كنا جميعا متعبين. كنت أعمل بنظام المناوبات في مستشفى سانت ماري على أطراف وسط المدينة أصبح مبناه من الطوب مألوفا لي كما وجهي في المرآة. أما مارك فكان يسافر أكثر بسبب العمل إلى سياتل شمالا وسان خوسيه جنوبا يجلس في غرف اجتماعات تلمع سبوراتها البيضاء بطموحات لا تنتهي.
في إحدى الليالي أواخر الربيع كان الميكروويف يصدر همهمة متقطعة فتخيلته كقلب إلكتروني صغير يجاهد ليواصل العمل. كنت ما زلت بثياب التمريض نقاط المطر معلقة على كتفي من جري سريع من السيارة إلى الشرفة. الخميرة على سطح المطبخ تواصل غليانها الصامت. قدماي تؤلمانني ذلك الألم المعروف الذي يشبه شعور الإنجاز حين يتحول إلى ۏجع رتيب. وقف مارك في المطبخ يسند كفيه على سطح الرخام كما لو كان يحاول منع زلزال من الصعود عبر البلاط.
قال
نحتاج أن نتحدث.
تلك الجملة الأربع اڼفجرت في الهواء كشيء مفترس.
عندي عقل ممرضة وهذا يعني أنني ألاحظ التفاصيل التي لا تحب أن تلاحظ تغير بسيط في لون أظافر مريض تكرار سعال ارتجافة في زاوية الشفة. يدا مارك كانتا ثابتتين أكثر مما ينبغي. من هناك عرفت أن ما بداخله قد حسم منذ زمن.
قلت
حسنا.
لأنني من ذلك النوع الذي يفهم أن السير نحو الشيء المخيف أحيانا هو الطريقة الوحيدة للنجاة منه.
قال إنه يريد الطلاق.
بدت الكلمة تشخيصا طبيا أكثر منها حدثا عاطفيا لفظها دون تمهيد دون عبارات المراوغة المعتادة التي نضعها حول القرارات الكبيرة كي لا تجرحنا من الحواف. قالها كما تعزف نغمة على مفتاح البيانو واضحة حادة بلا ارتعاش.
ابتلعت ريقي. هززت رأسي. لم أكن قد أدركت بعد أن قدرتي على الهدوء في الأزمات يمكن أن تفهم على أنها موافقة.
ثم قال الشيء الثاني قال إنه واقع في حب أختي.
المحرك في الثلاجة بدأ يعمل ضوء الميكروويف وميض توقف وميض من جديد. في الشقة المجاورة سعل جارنا ذلك السعال المنخفض المنتظم لرجل ېدخن ولن يعترف بذلك أبدا. مطر بورتلاند كان يطرق نافذة المطبخ كطقس مقدس.
قال مارك
أريد أن أتزوجها.
فعل فمه تلك الالتواء الصغيرة التي يفعلها عندما يعرف أنه يفجر غرفة كاملة بكلمة واحدة.
هناك لحظات يخرجك فيها جسدك من نفسك كما يفعل والد جيد حين يبعد طفلا عن نافذة خطېرة. شعرت وكأن شيئا ما انتشلني من مكاني. أذناي أصدرتا طنينا حواف المطبخ تلاشت كما لو أن العالم لوحة مائية ألقيت في الماء. لكن عقلي ويا لوفائه بقي في مكانه يجلس على كرسي ويأخذ ملاحظات زاوية السکين في رف التجفيف قطرة الماء المتشبثة بطرف الصنبور وترفض أن تسقط.
قلت
حسنا.
لكن الكلمة بدت هذه المرة بصوت شخص غريب يتحدث من حلقي.
سمعتك.
لا أعرف من أين جاءت الرحمة التي جعلتني أسأل
هل تعرف هي أنك هنا تخبرني بهذا
هز رأسه
تحدثنا لم نكن
توقف رتب الكذبة ثم قدمها كحقيقة جاهزة
لم نقصد أن يحدث هذا.
النية رفاهية لا يمتلكها من ېنزف.
والداي تعاملا مع الموضوع كما لو أن البلد الذي عشنا فيه طوال حياتنا قد غير حدوده فجأة وهما الآن يبحثان عن جوازات سفرهما. أمي قالت ما ظنت