رواية كامله


فقط.
ثلاث ثوان لكنها كانت أثمن من كل حساباته البنكية
أغلى من ناطحات السحاب
وأعظم من كل صفقاته التي ملأت عناوين الصحف.
ثم خارت قواه وسقط على ركبتيه فوق العشب الرطب.
لم يشعر بالألم.
بل شعر بشيء آخر.
العشب.
برودته.
خشونته.
حقيقته.
احتضن سيرخيو بقوة كأنه يخشى أن يختفي الطفل إن أغمض عينيه.
كان يبكي بصوت عال بكاء لم يعرفه منذ طفولته.
صړخ وهو يقبل رأس الطفل المتسخ
أشعر بالعشب!
أشعر ببرودة العشب على ركبتي!
سقطت روزا على ركبتيها هي الأخرى وراحت تصلي بلا ترتيب بلا كلمات واضحة فقط دموع ودعاء وذهول.
كانت ترى معجزة بعينيها
لكن عقلها لم يكن قادرا على ملاحقتها.
في اليوم التالي اجتمع الأطباء حول فرناندو في مستشفى أنخليس.
فحوصات صور رنين تحاليل متكررة.
كانوا يتهامسون يقطبون جباههم ويعيدون النظر في الشاشات.
قال أحدهم أخيرا
الإصابة ما زالت موجودة لكن
تردد ثم أكمل
هناك نشاط عصبي جديد.
كأن الأعصاب صنعت جسورا.
سأل فرناندو بصوت خاڤت
هل هذا ممكن
تبادل الأطباء النظرات ثم قال كبيرهم
علميا لا تفسير واضح.
سنكتب في الملف معجزة طبية.
ابتسم فرناندو.
لأول مرة منذ عامين ابتسامة حقيقية.
وفى فرناندو بوعده تقريبا.
لم يمنحهما ثروته ليلقي بهما في بحر لا يعرفان السباحة فيه.
بل فعل ما هو أعمق وما هو أذكى وما هو أنبل.
اشترى بيتا دافئا لروزا وسيرخيو باسمها وحدها.
تكفل بتعليم سيرخيو في أفضل المدارس حتى آخر يوم في الجامعة.
وأسس مؤسسة سيرخيو لتكون يدا تمتد لكل طفل يعاني إعاقة ولكل أم تبكي في صمت.
خضع فرناندو للعلاج الطبيعي أشهرا طويلة.
كان الألم قاسېا.
السقوط متكررا.
لكن هذه المرة كان يعرف أن الطريق له نهاية.
بعد ستة أشهر مشى.
ليس بسرعة.
ليس بثبات كامل.
لكنه مشى.
ولم يعد الرجل نفسه.
لم يعد قرش الأعمال.
لم يعد الرجل الذي يقيس كل شيء بالأرقام.
صار يرى كل أحد في الحديقة العامة بلا حراسة بلا مظاهر.
يمشي متكئا قليلا يركل كرة قدم بقدم ما زالت تتعلم الحياة.
إلى جانبه طفل
ليس موظفا ولا خادما ولا تابعا.
بل عرابه
ومنقذه
وأقرب أصدقائه.
تعلم فرناندو أخيرا أن المال مجرد ورق
وأن السلطة مجرد وهم
وأن الجسد قد ينكسر لكن الروح لا تشفى إلا بالإيمان.
إيمان طفل بريء
إيمان لا يعرف الحسابات ولا المصالح
إيمان يقول ما لا تجرؤ العلوم على قوله.
فحين تقول العلوم مستحيل
تهمس العقيدة بهدوء
الآن.