قصّت حماتي شعري وطردتني من البيت… فكانت هذه بداية حياتي الحقيقية


تحقق معي بل اكتفت بأن تضع يدها على كتفي وتقول بصوت هادئ
يمكنك البقاء هنا لا نطرد أحدا جاء مكسورا.
سمحت لي بالإقامة والعمل في المطبخ. كنت أقف أمام المرآة في تلك الليلة أنظر إلى شعري المبعثر الذي لم أعد أعرفه وإلى عيني المتورمتين من كثرة البكاء فأشعر كأنني أرى امرأة أخرى غير تلك التي دخلت بيت زوجها يوما مرفوعة الرأس. سرعان ما أصبحت قصتي حديث الناس في البلدة بعضهم تعاطف وبعضهم همس لكنني لم أعد أبالي. كان همي الوحيد أن أتنفس دون خوف.
خلال أيامي الأولى في الدير كنت أستيقظ مع الفجر. أبدأ يومي بتنظيف الساحة الحجرية ثم أساعد في إعداد الطعام وأخرج بعدها إلى الحديقة لأزرع الخضروات وأسقيها. كانت الأعمال بسيطة لكنها كانت تعيد لي شيئا فقدته الشعور بالقيمة. لم يوبخني أحد ولم أسمع كلمة جارحة واحدة. كان الصمت هنا مختلفا صمتا يداوي ولا يخنق. صوت الجرس ورائحة البخور وخطوات الراهبات الهادئة كل ذلك كان يمنحني سکينة لم أعرفها في بيت ظننت يوما أنه بيتي.
وذات مساء جلست الراهبة المسؤولة إلى جانبي وقد لاحظت أنها تراقبني منذ أيام. قالت لي بنبرة أم تعرف معنى الجراح
لا تحملي الحقد في قلبك يا ابنتي. الكراهية لا تزيد الإنسان إلا ألما وتحبسه في الماضي. عيشي حياتك كما تستحقين فالزمن وحده كفيل بأن يكشف الحقيقة للجميع دون
أن تنطقي بكلمة.
كانت كلماتها كالماء البارد على ڼار مشټعلة داخلي. بكيت طويلا تلك الليلة لكن بكاء مختلفا بكاء تفريغ لا اڼهيار. بدأت أشعر بأن قلبي يهدأ وبأنني لم أعد تلك الفتاة الضعيفة التي طردت بشعر مقصوص وكرامة مچروحة.
بعد فترة سمعت عن دورة لتعلم الخياطة في البلدة. ترددت في البداية لكن الراهبة شجعتني قائلة
تعلمي حرفة اليد التي تعمل لا تنكسر بسهولة.
التحقت بالدورة. كنت أدرس في الصباح وأعود بعد الظهر لأعمل في الدير. في البداية كانت يداي ترتجفان فوق القماش لكن شيئا فشيئا بدأت الغرز تستقيم والأقمشة تتحول إلى فساتين جميلة. شعرت للمرة الأولى منذ زواجي بأنني أنجز شيئا لنفسي لا لإرضاء أحد.
بعد ثلاثة أشهر فقط بدأت أبيع بعض القطع للزوار والسياح الذين يقصدون الدير. كانوا يبدون إعجابهم بعملي ويسألونني عن قصتي فأكتفي بابتسامة صامتة. شيئا فشيئا جمعت ما يكفي لافتتاح متجر صغير عند مدخل الدير. لم يكن كبيرا لكنه كان لي. أصبح لي دخل ثابت أعيش به بكرامة وأشعر معه بأنني أقف على قدمي من جديد.
في تلك الفترة كان كارلوس يزورني سرا من حين إلى آخر. كان يأتي مكسور النظرة يعتذر ويبكي كما لم أره من قبل. كان يتوسل إلي أن أعود إلى البيت ويعدني بأن الأمور ستتغير. كنت أنظر إليه بحزن عميق لا ڠضب فيه وأهز رأسي قائلة بهدوء
لن أعود حتى