الجميع صفق في قاعة الزفاف… إلى أن سألتُ أبي سؤالًا واحدًا فقط


المسافة التي نحتاجها لنرى الأمور بوضوح أقل انفعالا وأكثر صدقا. لم نعد نتحدث كما كنا ولم نعد نعرف بعضنا كما في السابق وربما كان ذلك ضروريا. تحدثنا مرة واحدة فقط عبر مكالمة فيديو بعد شهور طويلة من الصمت. لم يكن اللقاء عاطفيا ولم نحاول فيه ترميم شيء. لم نبحث عن الغفران ولم نطلبه. كان حديثا قصيرا مباشرا هدفه الوحيد أن نغلق بابا ظل مفتوحا في الذاكرة أكثر مما ينبغي.
قالت لي بنبرة خالية من الدفاع
لم آخذه منك. لم يكن لك بالكامل يوما.
لم تكن تلك الكلمات قاسېة كما توقعت. على العكس كانت صادقة. وصدقيتها هي ما جعلتها مؤلمة ثم محررة في آن واحد. تقبل هذه الحقيقة لم يكن استسلاما بل تحررا من وهم كنت أتشبث به وهم أن الخسارة كانت سړقة. الحقيقة أنها كانت كشفا. وما يكشف مهما كان موجعا يتيح لنا أن نختار بوعي أكبر.
أعرف اليوم أن الحب لا يقاس بطول المدة ولا بعدد الذكريات ولا حتى بشدة المشاعر بل بمدى الشفافية التي نعيش بها يوما بعد يوم. الحب الحقيقي لا يحتاج إلى مناطق مظلمة ولا إلى قصص مؤجلة ولا إلى أسرار ټدفن بحجة الوقت غير مناسب. وإن كان الحب يتطلب شجاعة فإن الصدق هو أعلى درجات تلك الشجاعة.
أدركت أيضا أن اختيار النفس ليس فعلا أنانيا كما يصور غالبا بل هو فعل بقاء. أن تضع نفسك أولا لا يعني أنك تقصي الآخرين بل يعني أنك ترفض أن تكون آخر من يفكر فيه. تعلمت أن الاستمرار في علاقة تهينك باسم الصبر أو باسم الحب أو باسم العائلة ليس نبلا بل تآكل بطيء.
وإن كان ثمة درس لا يمكنني تجاهله بعد الآن فهو الإصغاء إلى تلك الانزعاجات الصغيرة التي تظهر في البدايات النظرات التي لا تفهم الأسئلة التي لا تجاب القصص التي تبدو ناقصة. نحن نميل إلى إسكات هذه الإشارات لا لأننا لا نراها بل لأننا نخاف مما قد تعنيه. نخشى أن نبدو مبالغين أو حساسين أكثر من اللازم أو غير قادرين على التجاوز. لكن الحقيقة أن ما نتجاهله في البداية يعود لاحقا مضخما مؤلما وغير قابل للتأجيل.
كثيرون يسألونني اليوم إن كنت سأفكر في الزواج مجددا. لا أملك إجابة قاطعة. لم أعد أؤمن بالإجابات النهائية. لكنني أعلم يقينا أنني إن وثقت مرة أخرى فستكون ثقة واعية بحدود واضحة وبأسئلة تطرح في وقتها وبمساحة آمنة للشك المشروع. لم أعد أبحث عن وعود كبيرة بل عن أفعال صغيرة ومتسقة.
لا أشعر بالخجل لأنني أحببت. الحب في حد ذاته ليس خطأ. الخطأ كان في البقاء بعد انكشاف الحقيقة. ولهذا أفخر بأنني غادرت. أفخر بأنني اخترت نفسي عندما كان البقاء أسهل اجتماعيا وأصعب إنسانيا. أفخر بأنني لم أساوم
على كرامتي مقابل وهم الاستقرار.
أشارك هذه القصة اليوم لأنني أعرف أن كثيرين يعيشون خيانات صامتة وحقائق مبتورة وعلاقات تقوم على نصف صدق ونصف خوف. أعرف أن هناك من يشك لكنه يصمت. ومن يتألم لكنه يبتسم. ومن يشعر أن شيئا ما ليس في مكانه الصحيح لكنه يقنع نفسه بأن الوقت سيصلحه. وأعرف أيضا أن الحديث مهما كان صعبا يكسر العزلة. يذكرنا بأننا لسنا وحدنا وبأن الألم لا يعني الضعف وبأن الخروج من قصة مؤلمة لا يعني الفشل بل الشجاعة.
هذه ليست قصة انتصار صاخب ولا نهاية مثالية. إنها قصة وعي. وذاك في حد ذاته بداية جديدة.