البحـر أمنيـة طفــل محـتضـر

البحر هو الشيء الوحيد القادر على ابتلاع الألم
الجزء الأول: الشبح عند المضخة رقم 4
لم يكن المطر يتساقط عند استراحة الطريق السريع I-95 فحسب، بل كان يعاقب الأرض. انهمر بغزارةٍ لا ترحم، يقرع سقف المظلّة المعدنية لمحطة الوقود بإيقاعٍ فوضوي. كانت الساعة الثانية فجرًا من يوم ثلاثاء، تلك الساعة التي يبدو فيها العالم مهجورًا، مجرّدًا من الزيف والضوء.
كان سام يقف عند المضخة رقم 4، يراقب الأرقام الرقمية وهي تتغيّر: غالونات، دولارات، ثوانٍ من عمره لن تعود. كان في الخامسة والثلاثين، يرتدي بدلة بدأت أطرافها تتآكل ، ويقود سيارة سيدان تفوح منها رائحة قهوةٍ باردة ويأسٍ قديم. كان مندوب مبيعاتٍ للأدوية، رجلًا يقضي حياته في الترحال بين عيادات الأطباء والفنادق، يبيع علاجاتٍ لمشكلات لا يفهمها. كان متعبًا… متعبًا من الطريق، من الابتسامات الزائفة، ومن حياةٍ تشبه ممرًا طويلًا مفروشًا بسجادٍ رمادي ينتهي دائمًا ببابٍ مغلق.
فرك عينيه، تختلط رائحة الوقود بأوزون العاصفة. لم يكن يريد سوى العودة إلى “المنزل”، رغم أن المنزل لم يكن سوى شقةٍ فارغة في نيوجيرسي، لا ينتظره فيها إلا فواتير متراكمة ونبتة صبّار ينسى سقيها.
دق… دق.
صوتٌ على نافذة الراكب.
انتفض سام، وذهبت يده غريزيًا إلى جيبه. استدار، محدّقًا عبر المطر المنهمر.
كان هناك صبي.
لم يكن يتجاوز العاشرة، لكنه بدا عجوزًا. جلده شبه شفاف، مشدود على عظام وجنتيه كرقٍّ مبلل. رأسه أصلع، تغطيه قبعة سترةٍ كبيرة مبتلّة تتدلّى على جسده الهزيل كالكفن. لم يكن يتسوّل، ولم يحمل لافتة. كان يرتجف پعنف، حتى إن اصطكاك أسنانه كان يُسمَع وسط هدير المطر.
تردّد سام. العالم يعلّمك أن تُخفض رأسك، أن تتجاهل الغرباء في محطات الوقود، أن تحمي نفسك.   لكن شيئًا في عيني الصبي—واسعتين، غائرتين في وجهٍ شاحب—أوقفه.
أنزل سام النافذة قليلًا. اندفعت رائحة المطر والإسفلت المبتل إلى داخل السيارة.
قال: «يا بني، أين والداك؟ الساعة الثانية فجرًا. لا ينبغي أن تكون هنا».
لم يُجب الصبي. بدا وكأنه لم يسمع. أدخل يده المرتجفة في جيب سترته، وأخرج قبضةً من العملات المعدنية المبتلة، ومعها ساعة بلاستيكية مکسورة الزجاج.
قال بصوتٍ مبحوح: «لديّ أربعة دولارات وخمسون سنتًا… وساعة. ما زالت تعمل. تأكدت».
سأله سام: «ماذا تريد؟ طعام؟ توصيلة إلى مأوى؟»
لكن الصبي تجاهله، وقال وهو يحدّق فيه: «هل تكفي؟ للوصول إلى البحر؟ اللافتة تقول ثلاث ساعات شرقًا. أستطيع دفع ثمن الوقود».