اللقمة التي أزاحت الغمة

اللقمة التي أزاحت الغمة
كنت في طفولتي أعيش فترات طويلة مع جدتي أمينة تلك المرأة التي لم تنل من التعليم إلا حروفا قليلة لكنها كانت تملك علما فطريا يضاهي حكماء الزمان وإيمانا راسخا لا يتزحزح أمام أعاصير الحياة. كانت تبدو لي كالجبل شامخة ثابتة تخفي في قلبها رصيدا من الصبر والرضا واليقين.
في ذلك الزمن لم تكن أحوالنا المعيشية سهلة فكثيرا ما مر البيت بضائقة اقتصادية وكان اعتماده الأكبر على ما يرسله خالي إبراهيم من عمله في مدينة بعيدة. لكن حين ينقطع خبره لأي سبب كانت جدتي تدبر الأمر بحكمة عجيبة حتى تمر الأزمة. لم أكن أدري كيف تفعل ذلك لكنني كنت أراها تبتسم في أشد اللحظات ضيقا وكأنها تقول للحياة مهما قسوت فلن تنكسري بي.
غير أن ذلك اليوم الذي لن أنساه ما حييت كان مختلفا عن كل الأيام.
خرجت جدتي صباحا إلى السوق لتشتري ما يسد به حاجتنا وبعد ساعة عادت بخطوات متثاقلة وجهها متجهم وعيناها شاردتان. دخلت البيت وخلعت عباءتها بصمت ثم اتجهت مسرعة نحو دولاب الملابس. وقفت خلفها أراقبها بقلق فرأيتها تخرج علبة صغيرة خبأت فيها ما تبقى من نقود.
أمسكت بيدها ورقة نقدية واحدة خمسة دراهم كانت آخر ما نملك في ذلك البيت. نظرت إليها طويلا وكأنها كانت تحاورها بصمت هل تكفيني لشراء الطعام هل تسد جوع الصغار هل تنقذ بيتا بأكمله
ولأول مرة رأيت دموعا تتلألأ في عيني تلك المرأة القوية دموع الحيرة والعجز.
اقتربت منها وقلت بلهفة
جدتي ما الذي حدث أين النقود التي خرجت بها
تنهدت ومسحت دمعتها بطرف ثوبها وقالت بصوت متهدج
ضاع كيس النقود يا بنتي أو لعل أحدهم سرقه من يدي في الزحام.
شهقت ووضعت يدي على فمي من الدهشة
يا إلهي! وكيف سنعيش هذه الخمسة وحدها لا تكفي لشيء!
لكنها على غير المتوقع أغلقت يدها على الورقة النقدية ونهضت بحزم ثم التفتت إلي بعينين تتقدان بالعزم
اسمعي يا زينب ستساعدينني الآن فيما سأفعله.
قلت مرتبكة
بماذا يا جدتي
ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت
انزلي إلى الدكان واشتري عشر بيضات وربع كيلو عدس.
تراجعت خطوة إلى الوراء وقد ظننتها تمزح
عدس وبيض! ألست ترغبين في طعام يسد جوعنا
قالت بحزم
افعلي ما أقول يا ابنتي وسترين الحكمة لاحقا.
ذهبت مضطرة إلى الدكان وعدت بما طلبت. جلست جدتي في المطبخ تنظف العدس وتغسله بتمعن كأنها تحضر وليمة عظيمة بينما رائحة الطعام بدأت تنتشر في أرجاء البيت. سلقت البيض وسخنت بعض الأرغفة اليابسة ووضعت الملح والفلفل في ورقة صغيرة. كنت أراقبها في ذهول أقول في نفسي لعلها ستعد لنا طعاما متواضعا لنقتات به اليوم.
لكن المفاجأة أنني رأيتها تضع كل ما جهزته في سلة صغيرة ثم غطتها بمنديل نظيف.
سألتها بحدة
إلى أين تأخذين طعامنا يا جدتي
نظرت إلي بعطف
وقالت
إلى من هم أحوج منا.