توقّف عند إشارة مرور… فغيّر حياة أمّ وطفلٍ وأنقذ نفسه

كانت أمي تحتضر أرجوكم ساعدوني.
لم يكن ذلك صوت بائع جوال ولا صوت طفل اعتاد أن يمد يده طلبا لقطعة نقد من باب العادة. كان صړخة يأس مكتملة الأركان. طفل لم يتجاوز الخامسة وجهه ملوث بغبار الطريق ودموعه يطرق بزجاج سيارة فيراري صفراء توقفت عند إشارة حمراء في وسط مدينة مكسيكو.
كانت آثار المخاط عالقة عند شفته وعيناه البنيتان متورمتين من كثرة البكاء ويضم إلى صدره لعبة سيارة زرقاء قديمة باهتة كما لو أن ذلك البلاستيك الصغير هو آخر مرساة تبقيه طافيا فوق بحر الخۏف.
داخل السيارة رفع دييغو سانتانا بصره بانزعاج تلقائي تعبير تعلمه عبر سنوات من الزحام والاندفاع والوجوه الممدودة بأيد تطلب العون. كان في الرابعة والثلاثين وقد أتقن مهارة النظر دون أن يرى. كانت المدينة ممتلئة بقصص لا تتسع لها مفكرته قصص قرر أن يبقيها بعيدا كي لا تكدر بدلته ولا تربك جدول أعماله ولا تخل بنظامه.
لكن تلك النظرة اخترقته.
لم تكن عينا الطفل تسألان مالا. كانتا تسألان وقتا. كانتا تسألان هواء. كانتا تتوسلان أن يتوقف العالم لحظة واحدة لينقذ إنسانا.
قال الطفل وهو يحبس شهقاته سيدي أمي لا تستطيع التنفس. حرارتها مرتفعة جدا. أظن أظن أنها ستموت.
شعر دييغو من دون أن يعرف السبب بأن شيئا في صدره انكسر كزجاج رقيق. وكان ذلك مخيفا أكثر من بكاء الطفل لأنه منذ سنوات لم يشعر پألم حقيقي. كان قد ډفن الألم تحت أرقام وعقود واجتماعات وعشاءات عمل وليال طويلة أمام الحاسوب في شقته الفاخرة في بولانكو ذات الإطلالة المثالية والصمت المثالي.
في صباح الخامس عشر من مارس كانت الشمس تلمع فوق شارع ريفورما لكن دييغو لم ينتبه. كان يقود مفكرا في هوامش الربح وفي اجتماع المستثمرين عند العاشرة وفي توسع قد يحول سلسلة مطاعمه إلى إمبراطورية أكبر.
كانت المجلات تلقبه بميداس المطبخ المكسيكي. سبعة وأربعون فرعا من تيخوانا إلى كانكون. نجاح يحتفى به بالتصفيق وعناوين الصفحات الأولى.
لكن لم يصفق له أحد حين عاد إلى بيته ولم ينتظره أحد.
كان والداه قد توفيا في حاډث طائرة وهو في الثانية والعشرين. ومنذ ذلك اليوم تحولت حياته إلى سباق بلا نهاية يضاعف الإرث يثبت لنفسه أنه قادر ويملأ فراغا بفراغ أكبر. حقق كل شيء إلا أن ينام من دون ذلك الضغط في صدره ضغط لم يكن مرضا بل غيابا.
تحولت الإشارة إلى الأحمر عند إنسورخينتس. نظر دييغو إلى ساعته الفاخرة وحسب التأخير. علا بوق سيارة من خلفه ثم بوق آخر ثم جاء الطرق على الزجاج.
حين أنزل النافذة اندفع ضجيج المدينة كالنهر محركات باعة خطوات أصوات. كان الطفل يرتجف لا من البرد وحده بل من هلع خالص.
قال دييغو متفاجئا بنعومة صوته اهدأ. تنفس. ما اسمك
قال الطفل بين شهقات متقطعة ماتيو اسمي ماتيو. أمي هناك في الخلف في زقاق. لا تتحرك. أرجوك يا سيدي أرجوك.
تحركت السيارات مع الضوء الأخضر. بدأ السائقون ېصرخون. أشعل دييغو أضواء الطوارئ فتح الباب ومن دون تفكير جثا على الرصيف أمام الصغير. كان المشهد مفارقا بدلة أنيقة تركع على أرض قڈرة أمام قميص أحمر ممزق وحذاءين بلا أربطة.
قال وهو يمسك كتفيه برفق اسمعني جيدا يا ماتيو. سأساعدك. لكن أحتاج أن تقودني إلى أمك الآن. هل تستطيع
نظر إليه الطفل كأنه يخشى أن تنتزع منه الحياة هذه العبارة.
قال حقا حقا ستساعدها
قال دييغو أعدك. أعطيك كلمتي.
في اللحظة التي نطق فيها دييغو بتلك الكلمات تحرك شيء غير مرئي في الهواء كما لو أن