في جنازة امي

مسكته تاني،
وإيدي بترتعش.
"ماما؟" قلت.
"ده مش هزار."
"عارفة"، ردت.
"وعشان كده لازم تسمعيني كويس.
ما تكلميش حد.
وما تقوليش لأبوكي.
روحي بس."
الخط قفل.
ما فكرتش.
لبست الجاكيت،
مسكت المفاتيح،
وجريت…
ركبت العربية وقلبي بيدق بسرعة رهيبة. الطريق للمقاپر كان شبه مظلم، والرياح بتلعب بالأشجار حواليّ، وكل صوت صغير كان بيخلّي قلبي يقفز.
وصلت المقپرة، والهدوء كان مخيف… مش زي أي وقت قبل كده.
غير صوت الرياح اللي بتهز الأشجار بشكل متواصل، كان فيه إحساس غريب… كأن المكان كله بيبصلي.
وقفت عند القپر اللي اتدفنت فيه أمي…
وفجأة، نور خفيف ظهر جنب النعش.
نور مش عادي، زي شعاع من جوه الأرض.
قلبي بدأ يدق بسرعة، وكنت مش قادرة أتحرك من مكانى.
وصوت واطي جه من ورايا:
"شكراً إنك جيتي…"
لفيت بصعوبة… وشوفت أمي واقفة قدامي.
لكن شكلها كان مختلف.
مش زي أي مرة كنت بشوفها فيها… نور حوالينها، ووشها هادي لكنه فيه هالة من الغموض والهدوء في نفس الوقت.
"ماما؟!" قلت بصوت مرتعش.
ابتسمت وقالت: "ما كانش ينفع أسيبك تعرفي الحقيقة قبل الوقت. أنا مش مېتة… بس كنت محتاجة أختفي فترة علشان أحميك."
رفعت إيدي، وهي حطت ايدها على قلبي.
حسيت بدفء غريب، وكأن كل خوف السنين اتشال فجأة.
سألتها: "ليه دلوقتي؟"
ابتسمت وقالت: "علشان تعرفي… بعض الأشياء في الحياة أكبر من أي حد. السر ده… محتاج حد يحميني ويحميه، وده أنت دلوقتي."
قعدنا جنب القپر ساعات… نتكلم عن ذكرياتنا، عن حياتنا، عن الأماكن اللي كنا بنحبها، وعن الأسرار اللي عمرنا ما اتكلمنا فيها.
بعد شوية، قالتلي: "دلوقتي لازم أسيبك، بس مش لوحدك. هتفضل دايمًا حاسة بيا، وهحميك من بعيد."
وبعد لحظة، النور اللي حوالينها بدأ يخف شويه… وهي اختفت في الهواء حوالين القپر، كأنها دخلت جوه الظلام والنجوم في نفس الوقت.
أنا وقفت لوحدي، بس مش وحيدة.
حسيت بوجودها حواليّ، بحسها بتديلي القوة والشجاعة، وكأن كل الخۏف اللي كان جوانا اتحول لراحة.
رجعت البيت وأنا قلبي مليان إحساس غريب… سلام وأمان وحزن معاهم فرحة.
عرفت إن الحياة مش دايمًا واضحة… وإنه بعض الأسرار محتاجة وقتها، وأحيانًا لازم نتعلم نثق باللي حوالينا من غير ما نشوفهم دايمًا.
من ساعتها… كل مرة بروح المقپرة، بحسها جنبي، وبتحميني بصمتها.
ومهما حصل، أي مشكلة أو خوف، بس فكرت في اللحظة دي… قلبي يهدأ، وحسيت إن أمي موجودة فعلاً، حتى لو مش قدامي بعيني.
ومرة تانية… بعد أسابيع، الموبايل اهتز.
بس المرة دي، كانت رسالة قصيرة:
"أنا دايمًا معاك، خلي قلبك مفتوح للحياة."
ابتسمت لنفسي… وعرفت إن النهاية مش دايمًا معناها الفقدان… أحيانًا هي بداية لفهم أعظم، ولحب بيستمر، حتى لو مفيش أي كلمة بتنطق.