عدتُ مبكّرًا… فركضت ابنتي نحوي دون أن تنظر خلفها، وعرفتُ حينها كم كنتُ قريبًا من خسارتها للأبد

عدت إلى المنزل مبكرا في ذلك العصر بعدما ألغي الاجتماع في زيورخ دون سابق إنذار. وللمرة الأولى لم أتصل مسبقا. لا مساعد ولا سائق ينتظر عند الباب. كنت وحدي حقيبة عملي بيدي وفكرة هادئة تراودني لم لا أفاجئ عائلتي هذه المرة
أتذكر أنني فكرت لعل هذا ما يفعله الآباء الطبيعيون. يعودون ببساطة إلى بيوتهم.
كان البيت هادئا أكثر مما ينبغي حين دخلت.
ليس هدوء سلام بل فراغ.
تدفق ضوء الشمس عبر النوافذ العالية وانعكس على الأرضيات الرخامية التي كلفت أكثر من شقتي الأولى. كان صوت الماء يسمع من مكان ما. تبعت الصوت نحو المطبخ.
وهناك كادت ساقاي تخونانني.
كانت آنا خادمتنا تقف عند المغسلة تغسل الصحون.
هذا وحده لم يكن ليهزني.
ما حطمني حقا كان الطفلة الجالسة على كتفيها.
ابنتي.
حافية القدمين. تضحك حتى تكاد تختنق من شدة الفرح.
كانت يداها الصغيرتان متشابكتين في شعر آنا وتطلق صيحات سرور كلما تحركت قليلا.
وكانت آنا تضحك أيضاضحكة دافئة صادقة بلا حذربيد تفرك طبقا وبالأخرى تثبت ساق ابنتي كأن الأمر هو أكثر ما يكون طبيعيا في العالم.
تجمدت في مكاني.
لأنني لم أر ابنتي يوما بهذه السعادة.
لا معي.
ولا مع أمها.
ولا مع كل الألعاب والمعلمين والمواعيد المدروسة التي يمكن للمال أن يشتريها.
تسارعت ضربات قلبي.
لماذا ابنتي مع الخادمة
أين زوجتي
ولم أشعر وكأنني أتطفل على لحظة حقيقية لا تخصني
همست آنا بمرح
تمهلي يا أميرتي ستجعلينني أدوخ.
ضحكت ابنتي وألصقت خدها برأس آنا.
حينها غامت رؤيتي.
تنحنحت.
استدارت آنا فزعة.
وانتبهت ابنتي إلي فورا.
بابا! صاحت.
انتظرتغريزياأن تمد ذراعيها نحوي.
لكنها لم تفعل.
بل نظرت أولا
إلى آنا.
نظرة قصيرة مترددة
كأنها تطلب إذنا.
انكسر شيء في صدري.
بعد لحظات ظهرت زوجتي عند باب المطبخ. وما إن رأتني حتى شحب وجهها.
قالت بهدوء
عدت مبكرا.
أجبت
نعم على ما يبدو.
لم يتكلم أحد.
كان الصمت أثقل من أي مواجهة في مجلس إدارة خضتها يوما.
وأخيرا سألت السؤال الذي كان ېحترق في صدري
منذ متى
انحنت كتفا زوجتي.
منذ مدة.
منذ متى بالضبط ألححت.
ابتلعت ريقها وقالت
منذ أن لم أعد قادرة.
نظرت إلى آنا فخفضت بصرها فورا.
قالت بصوت خاڤت
سيدي أنا آسفة. لم أقصد
قاطعتها وصوتي يرتجف
هذا ليس عنك. هذا عني.
عدت إلى زوجتي وسألت
أين كنت هذا العصر
ترددت ثم همست
في السرير. لم أستطع النهوض. في بعض الأيام لا أستطيع حتى التنفس جيدا. الأطباء يقولون إنه اكتئاب ما بعد الولادة.
نزلت الكلمات بهدوء
لكنها دمرتني.
لأن كل شيء صار مفهوما فجأة.
الابتسامات البعيدة.
اللحظات الضائعة.
وبكاء ابنتي حين أحملها ثم هدوؤها الفوري بين ذراعي آنا.
تكلمت آنا من جديد وصوتها يرتجف
كانت تبكي حين تستيقظ من قيلولتها. تنادي أمها لكن حين لا يأتي أحد أبقى معها.
تنادي أمها.
انقبض صدري.
انحنيت وفتحت ذراعي
تعالي يا حبيبتي إلى بابا.
ترددت ابنتي.
ثانية واحدة فقط.
ثم أنزلتها آنا بحذر ووضعتها بين ذراعي.
عانقتني لكن جسدها كان متيبسا.
غير واثق.
في تلك الليلة لم أعد إلى مكتبي.
لم أفتح حاسوبي المحمول الذي لم يكن يفارقني يوما.
لم أراجع بريدا إلكترونيا ولم أرد على مكالمة ولم ألق نظرة