عدتُ مبكّرًا… فركضت ابنتي نحوي دون أن تنظر خلفها، وعرفتُ حينها كم كنتُ قريبًا من خسارتها للأبد


واحدة على جدول أعمال الغد.
لأول مرة منذ سنوات تركت العالم الخارجي خلفي دون شعور بالذنب.
جلست على أرض غرفة الأطفال مسندا ظهري إلى الحائط بينما كانت ابنتي نائمة في سريرها الصغير. كان الضوء الخاڤت يتسلل من المصباح الليلي يرسم ظلالا ناعمة على وجهها. راقبت صدرها الصغير وهو يعلو ويهبط بانتظام كأن أنفاسها تحاول أن تعلمني الإيقاع الصحيح للحياة الذي نسيته طويلا.
كانت أصابعها الصغيرة تنغلق على الفراغ ثم تنفتح ببطء كأنها تبحث في نومها عن شيء مألوف.
ربما عن يد لم تكن دائما هناك.
ربما عن صوت غاب عنها أكثر مما ينبغي.
وأنا جالس هناك بلا هاتف بلا جدول بلا أقنعة عادت إلي صورة واحدة تكررت في ذهني بلا رحمة ضحكتها العالية الصافية وهي جالسة على كتفي امرأة أخرى.
لم تكن الغيرة هي ما آلمني.
ولا الإهانة.
بل الحقيقة العاړية أن ابنتي وجدت الأمان والفرح في
حضڼ غير حضڼي بينما كنت أنا أعتقد أن المال والراحة يكفيان لأداء دوري.
كنت قد بنيت إمبراطوريات.
شركات بدأت من الصفر ونمت حتى صارت أسماء تتداول في الصحف وقاعات المؤتمرات.
كنت أعرف كيف أوقع صفقات بملايين وكيف أسقط منافسين وكيف أخفي الإرهاق خلف ابتسامة واثقة.
لكنني في المقابل فوت طفولة ابنتي
بعد ظهر هادئ في كل مرة.
خطوة صغيرة في كل يوم.
لحظة بسيطة كنت أؤجلها معتقدا أنها ستنتظرني.
في تلك الليلة فهمت أن الطفولة لا تنتظر.
مع بزوغ الصباح اتخذت قرارات لم يتوقعها أحد وربما لم أتوقعها أنا نفسي قبل ساعات.
ألغيت ثلاثة مشاريع كبرى كنت قد قضيت شهورا ألاحقها.
بعت شركة واحدة كنت أعدها إنجازا شخصيا.
ومسحت جدولي بالكامل لأول مرة منذ زمن لا أذكر بدايته.
لم يكن القرار سهلا.
كنت أعلم أن البعض سيعتبره تهورا وأن آخرين سيصفونه بالضعف أو فقدان السيطرة.
لكنني وللمرة الأولى في حياتي لم أعد أبحث عن تصفيق أحد.
لم أعد أزن قراراتي بميزان الإعجاب ولا أبحث في وجوه الآخرين عن اعتراف بقيمتي.
شيء ما في داخلي كان قد انكسر أو ربما انكشف.
استعنت بمختصين
لا ليحلوا مكان آنا
ولا ليغطوا غيابي كما كنت أفعل سابقا
بل ليساعدوا زوجتي على الوقوف من جديد لا بوصفها زوجة أو أما فقط بل إنسانة أنهكها الصمت طويلا.
بدأنا رحلة علاج طويلة لم تكن سهلة ولا سريعة كما تخيلت.
جلسات نفسية منتظمة
دعم طبي حقيقي لا يختصر في وصفة أو موعد عابر
ومساحة آمنة تتكلم فيها دون خوف
دون خجل
دون شعور بأنها تقصر أو تفشل.
وفي تلك الجلسات كنت أجلس أحيانا صامتا
أستمع أكثر مما أتكلم
وأكتشفبمرارةكم كنت غائبا حتى وأنا حاضر جسديا.
تعلمت كم مرة تجاهلت إشارات التعب لأنها لم تكن طارئة في جدول أعمالي.
كم مرة رأيت الإرهاق في عينيها واخترت أن أصدق أنها ستتحسن.
كم مرة أقنعت نفسي بأن توفير كل شيء ماديا يعفيني من مسؤولية الحضور الإنساني
من السؤال
من الإصغاء
من أن أكون هناك حقا.
وأما آنا
فلم أتعامل معها كما