مزرعة الڠضب ملكة القلم

الفصل الأول
أكبر خطأ يصدر منا حين نكون كالكتاب المفتوح
فيقرأنا كل من اقترب البعض يستهين بتلك السطور
والبعض يسيء الفهم والبعض لا يفهم أبدا
فلا تغضب حين يمزقك من لا يحسن قراءتك
فأنت من ارتضيت أن تكون له كتابا مفتوحا
فاحتفظ دائما بجزء منك لنفسك
حدقت روز من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة وأفلتت منها تنهيدة خاڤتة وهي تترك الستارة لتستقر مكانها وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب
أستاذ فؤاد كنت صديق لبابا وتستطيع أن تفهم الوضع أكثر من أي شخص آخر ليه المزرعة هتتباع بكرة محتاجة تفسير منك أنت على مدار عشرين سنة كنت المحامي بتاع العيلة وماسك كل حاجة تخص أملاك بابا الله يرحمه ليه فجأة كده اتغير الحال معقول كل حاجة تروح في لمح البصر حضرتك مدرك حجم الکاړثة أنا بكره هكون في الشارع بكرة بعد ما المالك الجديد يوصل مش هلاقي حتة أروح فيها أنا معنديش حد.
أمي ماټت وأنا صغيرة وأبويا كمان هو كمان سبني لوحدي.
تنهد المحامي بضيق وقال بأسلوب يائس
ده السبب إني جبتك دلوقتي يا روز إنك تعيدي التفكير في أسلوب حياتك. كوني محامي والدك وأقرب أصدقائه حبيت أعرفك إن حياتك الجاية هتختلف تماما لكن على موضوع هتقعدي فين أنا حاطط شرط للي هيشتري المزرعة إنه يسيب ليكي المبنى الصغير اللي في آخر المزرعة.
ضحكت روز بسخرية وقطعت كلامه قائلة
قصدك مبنى الخدم والعمال اللي كانوا بيشتغلوا عندنا في الأرض
اسمعي يا روز أي حد مكانك لازم يوطي للريح لحد ما تعدي. انتي دلوقتي مش روز البنت الغنية اللي كل حاجة تحت رجليها لا الوضع اختلف. لازم كبريائك ده يهدأ خالص وترضي بالأمر الواقع. عارف إن ۏفاة شخص عزيز تتطلب من الإنسان التكيف رغم صعوبة ذلك. لكن انتي حتى معندكيش رفاهية الحزن على والدك. عنادك وكبريائك لازم دلوقتي تسيبيهم على جنب. كنت دايما مستقلة لدرجة العناد علشان كده أنا مش شايف إصرارك على ډفن نفسك في الريف. لو مش عاجبك الوضع وإنك تقعدي في بيت العمال سيبي المزرعة وحياة الريف كلها وانزلي للمدينة. انتي دكتورة وبشهادتك هتشتغلي.
ومن الفلوس اللي هتتبقي من بيع المزرعة أجري شقة صغيرة ومن شغلك ادفعي إيجارها.
نظرت له روز نظرة عميقة وشرد عقلها
كيف لهذا الكائن أن يكون صديق والدها من زمن كيف لكل هذه المدة التي قضاها معهم لم يظهر وجهه الحقيقي كيف قدرته على ارتداء قناع الصداقة والحب لوالدها كل هذه المدة وكيف لم يلاحظ والدها هذا القناع
ظلت تتساءل نفسها إلى أن قطع حبل تفكيرها صوت المحامي وهو يقول
ها يا روز فكرتي هتعملي إيه هتقعدي ولا هتسيبي المزرعة وحياة الريف وخدي بالك من حاجة قبل أي قرار تاخديه اعملي في اعتبارك إن لسه وصية والدك ما تفتحتش. أنا بس منتظر المالك الجديد يستلم المزرعة وبعدين هفتح الوصية.
نظرت له نظرة ذات معنى تجعله يفهم سبب اضطرارها للذهاب. لقد احترم أبوها هذا الرجل ووثق به كما لم يثق بأحد في حياته.
أبوها... وقفت الكلمة في حلقها ونظرت إلى ثوبها الأسود ويديها المعقودتين بشدة في حجرها.
ټوفيت والدتها بعد مولدها بفترة قصيرة تاركة لزوجها مهمة تربية طفلتهما بكل ما في هذه المهمة من غرابة ومشقة.
ولأن رحل هو أيضا تاركا إياها بمفردها.
حاولت أن تمنع دموعها المنهمرة ورفعت عينيها لتلتقي بنظرة المحامي الحانية. وغامت عيناها البنيتان من الدموع الموشكة على السقوط والتوت شفتاها في ابتسامة باهتة
متشغلش بالك أستاذ فؤاد لسه مقررتش هقعد هنا ولا هسيب كل حاجة. أول ما أقرر هبلغ حضرتك على طول.
واتجهت نحو الباب قائلة وهي شاردة
بس في حاجة محتاجة أفهمها قبل ما أمشي إيه علاقة المالك الجديد بفتح الوصية عمتا حضرتك تشكر لحد كده الجاي بقا ده بتاعي أنا. بعد إذنك اتأخرت.
رفع حاجبيه بتذمر قائلا
كل حاجة في وقتها حلوة يا روز خلي فتح الوصية في وقته. ولكن تفتكري إنك مازلت شابة صغيرة في العشرين والناس مبترحمش وإنك لوحدك خلي بالك من نفسك كويس يا روز علشان الجاي صعب ومش هتعرفي تصدي.
غير إني سمعت إن اللي اشترى المزرعة حوت في السوق وانتي جنبه سمكة صغيرة.
نظرت له نظرة تفحصية وهزت رأسها وتركته ورحلت من المكتب وهي تحدث نفسها عن مدى استفزاز هذا الكائن.
دخلت روز مزرعتها للمرة الأخيرة والحزن يكسي كل معالم وجهها فهي أفنت نفسها في تلك المزرعة كانت تعمل بها مثل أي عامل لم يكن أحد يقدر أن يفرق بينها وبين عمال المزرعة. كانت تعشق العمل بيدها وكانت تعتبر المزرعة هدفها الوحيد كانت تود أن تكبرها ولكن انتهى الحلم سريعا فغدا سوف تؤخذ منها.
بدأت روز تمر على كل قسم في المزرعة فهي كانت مقسماها أقسام.
وقفت عند إسطبل الخيل واستنشقت نفسا طويلا ثم دخلت لتجد استقبالا حافلا من قبل الحصان الخاص بها.
كانت تعشق هذا الحصان فقد أهداه لها والدها في عيد ميلادها السابع وكبرا سويا.
أطلقت عليه اسم ريحانة.
نظرت روز للحصان وانهمرت الدموع من عينها فقد احتبستها أكثر من اللازم اڼهارت روز من شدة البكاء ثم رفعت عينيها تنظر لمحتويات المكان وكيف لكل ركن فيه ذكرى سعيدة لها وكانت لا تعلم أن الذكريات السعيدة أشد ألما من الحزينة.
تنهدت بحزن لاجتيازها أولى المراحل قد تكون أصعبهم ولكنها على يقين أنها سوف تمر.
ولكن النور الآتي من النافذة شد نظرها إلى ذلك الحقل الممتد بلا نهاية وكأنه ينسج أمامها كل أحلامها ويخبرها بأن أحلامها تاهت إلى ما لا نهاية.
خرجت روز من الإسطبل تجر قدميها دخلت فيلتها تجمع أغراضها وتنقلها إلى الغرفة الموجودة آخر المزرعة وعقلها يفكر في هوية المشتري.
فغدا سيأتي المالك الجديد ولا تعلم عنه شيئا.
تمنت من الله أن يكون رجلا مسنا لكي يترك لها حرية التصرف في أي شيء حتى لا تشعر بالغربة في بيتها.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
وفي الصباح أبدلت روز ملابسها وذهبت لعملها المعتاد في المزرعة فهي دكتورة بيطرية وهذا من صميم عملها أن تراعي جميع الحيوانات.
لاحظت حركة غير معتادة في المزرعة يبدو أن المالك الجديد قد وصل فعلا.
ذهبت مسرعة لتستكشف هوية المالك.
وقفت بجوار عمود تتلصص النظر شاهدت سيارة ضخمة من أغلى الماركات يجلس على عجلة القيادة شاب مفتول العضلات في الثلاثين من عمره وبجواره سيدة في العقد الرابع من عمرها وتبدو على ملامح وجهها الحدة وفي الخلف تجلس فتاة في أواخر العشرينات.
نزل الشاب من السيارة وأنزل الكرسي المتحرك وحمل الفتاة ثم وضعها عليه.
وقفت روز تسترق النظرات وتحاول التدقيق في الشاب لكي تستشف من نظرات عينيه أي شيء يدل على شخصيته ولكن كانت ملامحه خالية من أي تعبيرات ولكن يوجد بعينيه قسۏة ممزوجة بحزن.
تنهدت روز وذهبت لإكمال أعمالها وقلبها يرتجف من الذي سوف يأتي والمؤشرات تدل على أنه ليس بخير.
دخل عاصي فيلا المزرعة وهو يدفع الكرسي المتحرك للأمام ودخلت بجواره السيدة العجوز أمه وهي تحمل أغراضها.
قالت الفتاة الجالسة على الكرسي المتحرك وهي تنظر حولها تتأمل المكان بابتسامة
الله يا عاصي المكان هنا يجنن تحفة بجد كأنه لوحة مرسومة. والفيلا كمان أحسن قرار خدته إننا نسيب مصر ونقعد هنا. شكلي هرتاح قوي هنا.
نظر لها عاصي بنظرة رضا ثم نقل نظره لوالدته كأنه يقول لها اصبري الحساب لسه هيبدأ.
تنهدت أمه وكأنها تقرأ ما يريد أن يقوله ونظرت له نظرات شفقة على حاله وفي داخلها هي أيضا رغبة في العدالة فمرار الظلم كان شديدا عليها وما مرت به كان قاسېا لأبعد حد.
اجتمع كل الخدم أمام عاصي وعائلته ولكن عاصي كان يبحث بعينيه عن شيء ما. قال وهو يزفر أنفاسه بضيق
كل واحد يعرف نفسه للهانم الكبيرة.
بدأ العاملين في المزرعة وفي الفيلا بالتعريف عن أنفسهم وعن وظيفتهم.
نظر لهم عاصي ثم قال
من فيكم بنت الحاج رضوان صاحب المزرعة القديم
نطق كبير العمال عمار وقال
حضرتك تقصد الدكتورة روز لا يا أستاذ عاصي الدكتورة دلوقتي بتكون في الإسطبل معاد الكشف الدوري على الخيول.
رفع عاصي حاجبيه وقال متعجبا
يا سلام! وجناب البرنسيسة ما ينفعش تأجل الشغل العظيم اللي بتعمله وتيجي تتعرف على صاحب شغلها الجديد ولا الهانم مستغنية عن الشغل
عدل عمار نظارته الطبية وقال بارتباك
لا أبدا أستاذ عاصي بس الدكتورة بتحب الانضباط في المواعيد. هي مقسمة يومها كله على المزرعة وكل حاجة ليها معاد.
ضحك عاصي بصوت مرتفع ثم قال بصوت حاد
الكلام ده كان زمان. دلوقتي أنا اللي أقول إيه يتعمل وفي الوقت اللي أنا أحدده. خلاص أيام زمان خلصت والهانم اللي عاملة نظام على مزاجها تنسى الكلام ده. حد ينده لها.
ولكن قطع كلامه بدخول روز بملابس الشغل. بنطال يخفي نصفه حذاء برقبة مرتفعة وبلوزة واسعة وبالطو أبيض.
قالت بصوت مرتفع
خير سمعت حضرتك وأنا داخلة بتجيب سيرتي. خير
نظر لها من أعلى لأسفل وقال
هو انتي بقى روز بنت الحاج رضوان
ابتسمت بسخرية وقالت
آه أنا الدكتورة روز بنت الحاج رضوان. وأنت تبقى عاصي ابن عم جلال الجنايني صح عرفتك من أول ما شوفتك نازل من العربية.
استشاط عاصي ڠضبا وقال وقد احمر وجهه
آه أنا المهندس عاصي صاحب المزرعة والفيلا.
رفعت حاجبها بكبرياء وقالت
آه عرفت إن انت اللي أخدت مزرعتنا.
ضحك بسخرية وقال
كانت مزرعتكم يا آنسة لكن دلوقتي انتي مجرد دكتورة شغالة عندي وممكن أستغنى عنك وأجيب أي دكتور غيرك.
ثم أكمل باستهزاء
مش بتعملي حاجة مستحيلة أي دكتور لسه متخرج هيعمل اللي انتي بتعمليه. لكن عشان إحنا عندنا أصل مش هنرميكي برا. كفاية عليكي إني سمحتلك بالبيت الصغير اللي في آخر المزرعة.
قالت أمه وعلامات التوتر على وجهها
عاصي كفاية كده. الدكتورة روز مالهاش ذنب في اللي حصل زمان كانت صغيرة ومش فاهمة.
الټفت لها عاصي وهو في قمة غضبه وقال
ولا إحنا كان لينا ذنب ومع ذلك أنا وإنتي ورنا دفعنا التمن. بابا ماټ على بوابة الفيلا هنا وكأن الشريط بيعدي قدامي. جدها اتهم أبويا بالسړقة وجلده قدامنا.
كل ده علشان أخد من الحظيرة شوية بيض ولبن يسد جوعنا.
فاكرة يا أمي رنا كانت بټموت من العياط الجوع كان بينهش فيها وكانت حرارتها أربعين ومش عارفين نعالجها.
أبويا ما كانش في إيده حاجة راح يجيب أكل من الحظيرة. والنتيجة الجلد والطرد والإهانة.
ثم الټفت لروز وأمسك وجهها بقوة وقال
عارفة عقابه كان إيه
عقابه إن جدك مسك كرباج وجلده قدامنا.
ولا بكاء ولا مرض رنا شفعله.
كرشنا من الشغل وأبويا وقع وماټ.
عشنا في الشارع ورنا كانت طفلة عندها سنتين.
البرد والجوع عملوا فينا اللي ما يتقالش.
لكن ربنا كبير. جه اليوم اللي أبوكي جه لحد

عندي