رواية كامله


بل من أجل ما تمثلينه. ومن أجل أولئك الذين لا يستطيعون دخول هذا المكان ولا يملكون الشجاعة أو القدرة على المطالبة بالاحترام والعدالة.
زفرت نعومي زفرة طويلة كأنها تفرغ صدورا من الضغط المتراكم. وللمرة الأولى منذ دخلت ذلك المبنى ترقرقت عيناها بلا خجل لا ضعفا بل ارتياحا لأن أحدا ما قرر أن يقف في الصف الصحيح.
مرت ساعات ثقيلة بدت أطول مما هي عليه. ثم جاء أحد الضباط يحمل حقيبة أدلة. فتحها أمامها بحذر. كان فيها جزء من المسروقات التي عثر عليها في مداهمة سريعة ومنظمة. لم تظهر المحفظة ولم تستعاد كل الأشياء لكن الظرف كان هناك. سليما جافا كما لو أن القدر قرر ولو مرة واحدة ألا يكون قاسېا.
أخذته نعومي بيدين مرتجفتين وضغطته إلى صدرها كما لو كانت تحتضن نجاة مؤجلة.
قالت بصوت مبحوح
شكرا.
رافقها إغناسيو إلى الخارج. كانت الأمطار قد خفت والهواء صار أنقى كأن المدينة نفسها غسلت من شيء ثقيل. لكن داخل المركز كان هناك تغيير أعمق أقل وضوحا وأكثر أثرا الخۏف تراجع خطوة والصمت لم يعد مريحا كما كان.
قبل أن تعبر الباب توقفت نعومي والتفتت. مرت بنظرها على وجوه الضباط. بعضهم لم يحتمل نظرتها فخفض عينيه. آخرون واجهوها بصمت ثقيل. كان دانيال واقفا مستقيما عيناه محمرتان لكن نظرته ثابتة وكأنه اتخذ قرارا لن يتراجع عنه.
قالت نعومي بصوت منخفض هادئ لكنه وصل إلى كل زاوية في القاعة
الاحترام لا يطلب بل يمارس.
ثم خرجت.
وأغلق الباب خلفها.
وفي تلك اللحظة فهم الجميع الدرس بلا خطب ولا محاضرات أن السلطة حين تفصل عن الإنسانية تتحول إلى أداة أذى وأن الصمت أمام الظلم ليس حيادا بل مشاركة فيه وأن الكرامة لا ينبغي أن تكون امتيازا مرتبطا بالاسم أو المنصب بل حقا ملازما لكون الإنسان إنسانا.
بعد أيام أعلنت الشؤون الداخلية نتائجها الأولية. عوقبت بريندا سالازار وجرى التحقيق مع من تواطأ أو صمت. وقدمت نعومي تقريرها كاملا غير منقوص. فتحت ملفات وتحركت لجان وتدخلت السلطات في تلك العيادة. أنجيت أرواح لن تظهر في نشرات الأخبار لكنها ستبقى ذات قيمة حقيقية عند أصحابها.
وفي ليلة قريبة من عيد الميلاد جلست نعومي قرب نافذتها تراقب أضواء المدينة الهادئة حين وصلها إشعار برسالة. كانت من دانيال الشرطي الشاب
شكرا لأنك قلتها. اليوم أوقفت زميلا قبل أن يتجاوز الخط. لم أبق صامتا.
ابتسمت نعومي ابتسامة خفيفة ممتزجة بشيء من التعب وشيء من الأمل. كان المطر قد انتهى تماما. ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت أن العالم ولو في زاوية صغيرة وفي موقف واحد اختار أن يكون أفضل قليلا.
فالنهايات السعيدة ليست دائما عناقا أو تصفيقا.
أحيانا تكون أبسط من ذلك وأصعب وأكثر شجاعة
أن يتعلم أحدهم ألا ينظر إلى الجهة الأخرى.