رواية ماوراء الصمت بقلم ألاء حجازي


في حياتي كلها.
الناس رايحة جاية
وجو الجامعة له رهبة كده ما تتوصفش
بس أنا كنت ماشية بثقة رغم كل اللي جوايا.
طلعت على الدور التاني وقفت قدام مكتب كبير مكتوب عليه رئيس القسم
خبطت بخفة ودخلت أول ما سمعت اتفضلي
كان فيه راجل في الخمسينات تقريبا لابس بدلة رمادية ونظارة 
رفع عينه أول ما شافني وابتسم وقال بنبرة فيها احترام واضح
آه أخيرا وصلت.
احنا كنا مستنيينك من بدري.
ابتسمت بخجل وقلت
متشكرة جدا يا فندم الطريق كان زحمة شوية.
ضحك وقال
عادي يا بنتي أهم حاجة إنك وصلت بالسلامة.
بسم الله ما شاء الله واضح إننا هنضيف اسم تقيل للمكان.
ضحكت بخفة وأنا مش فاهمة يقصد إيه بالضبط
بس قبل ما أسأل كمل كلامه
على العموم الملفات كلها اتراجعت وشهادتك تشرف
والكل هنا متحمس يشوف شغلك بنفسه.
سكت لحظة وبص لي بهدوء وقال
وطبعا البقاء لله في والدك
كان راجل محترم وسمعته سابقة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم الدموع اللي كانت بتحاول تطلع
وقلت بهدوء
الله يرحمه هو السبب إني وصلت هنا.
هز راسه وقال بلطف
مكانه في الجنة إن شاء الله
وروحي شوفي المكان زملائك مستنيينك
وفيه واحد هيتولى يعرفك بكل حاجة.
خرجت من المكتب وأنا مش عارفة ليه قلبي بيدق كده
بين رهبة المكان وفرحة صغيرة
بس كان عندي إحساس إن اليوم ده مش عادي أبدا.
خرجت فرح مع الدكتور اللي كان بيورها الكلية الجو حر خفيف بس في الهوا ريحة جديدة ريحة بداية.
كانت ماشية جنبه بخطوات ثابتة بتحاول تحفظ الطرق والممرات الطويلة وأصوات الطلبة والموظفين حوالين منها.
الدكتور كان بيشرح بهدوء
هنا قسم المحاضرات وهنا المعامل ودي قاعة الاجتماعات.
هي كانت بتهز راسها بابتسامة مهذبة بس عقلها لسه مش مستوعب إنها فعلا وصلت.
قالت لنفسها بصوت واطي
اللهم لك الحمد يا رب كل ده تعب أبويا ما راحش هدر.
الدكتور وقف عند مدخل الدور التاني وقال
استأذنك ثانية يا فرح هروح أجيب ملف من المكتب اللي جنبنا وأرجعلك فورا.
ابتسمت وقالت
حاضر يا دكتور خد راحتك.
وقفت على جنب تبص حوالين المكان الجديد
الناس الأسماء على الأبواب اللافتات اللي مكتوب عليها قسم الهندسة المعمارية
كل حاجة كانت شكلها مهيب أوي
فضلت تبص حوالين المكان
المبنى فخم والهدوء اللي فيه مهيب كأن كل حاجة فيه ليها وزنها.
لمحت طلبة ماشيين أصوات خطواتهم بتتداخل
لحد ما الباب اللي وراها اتفتح فجأة
وصوت رجولي جه من وراها ساخر بارد وبيقطع زي السکينة
هو إيه اللي جابك هنا يا فرح
اتجمدت مكانها.
صوت ما كانتش متخيلة تسمعه في المكان ده أبدا.
لفت ببطء
ولما شافته قلبها وقع مكانه.
معتز.
بنفس الملامح اللي وجعتها قبل
بس دلوقتي ملامحه فيها مزيج غريب من التعالي والاستغراب.
ضحك بسخرية وقال بصوت عالي كفاية إن كل اللي حواليهم يسمع
هو انت بتعملي ايه في جامعة!
وسكت لحظة قبل ما يكمل بغل
هو اللي زيك يعرفوا يعني إيه كلية
لو تعرفي هتكوني اتعلمت منين من على ظهر الجاموسة
ولا جيتي تسألي على شغل في الكانتين ولا السكرتارية
الكلمات خرجت منه زي رصاص
وهي واقفة في مكانها مش قادرة تتحرك
كل حرف فيه كان بيخبط في قلبها زي ضړبة قديمة بتتجدد.
حاول يضحك وقال وهو بيبص فيها من فوق لتحت
يا بنتي اللي زيك مكانهم في الغيط مش هنا
الجامعة دي ليها ناسها مش أي حد يدخلها لمجرد واسطة.
بس قبل ما تلحق ترد الباب اتفتح والدكتور اللي كان معاها رجع بابتسامة عادية خالص
مش واخد باله من اللي بيحصل.
قال وهو شايفهم واقفين قصاد بعض
آه باين إنكم اتعرفتوا خلاص.
وبعدين ضحك بخفة
طب كويس جدا مش محتاج أعرفكم ببعض.
بس خليني أقولها رسمي كده برضه
بص لها وقال
دكتور معتز من أكفأ الناس عندنا هيساعدك لو احتجت أي حاجة.
وبعدين بص على معتز وقال
يا دكتور معتز دي 
يتبع.
طب كويس جدا مش محتاج أعرفكم ببعض.
بس خليني أقولها رسمي كده برضه
بص لها وقال
دكتور معتز من أكفأ الناس عندنا هيساعدك لو احتجت أي حاجة.
وبعدين بص على معتز وقال
يا دكتور معتز دي الدكتورة فرح زميلتك الجديدة هنا في القسم.
كأن الوقت وقف.
معتز اتسمر مكانه ووشه اتبدل.
كلمة زميلتك وقعت عليه تقيلة
مستغرب مش مصدق.
هو بص لها بذهول قالتله بابتسامة صغيرة بس فيها تحدي واضح
تشرفت يا دكتور معتز.
مد إيده متردد
ولما مدت إيدها هي كمان وسلمت بخفة
قال بصوت واطي بس نبرته متكسرة شوية
وأنا تشرفت يا دكتورة فرح.
الدكتور اللي معاهم كمل الكلام وهو مبتسم
بجد فرصة سعيدة إنكم زملاء أنتوا الاتنين عندكم فكر جديد وهيفيد القسم جدا.
هي اكتفت بابتسامة خفيفة وقالت
إن شاء الله يا دكتور هنعمل اللي علينا.
وبمجرد ما مشي خطوتين بعيد
كانت النظرات بين الاتنين تقيلة لدرجة الهواء وقف.
هو لسه مصډوم
وهي بكل هدوء لفت وابتعدت من غير ولا كلمة
بس خطواتها كانت واثقة ثابتة
ولما بدأوا يمشوا ناحية المكتب
كانت حاسة بنظرات معتز بتطاردها
كل خطوة منها بتفكره بالجملة اللي قالها من يومين بس 
مش ممكن أتجوز جاهلة
بس دلوقتي البنت اللي وصفها بالجهل واقفة جنبه
بنفس الثقة اللي اتمنى يكون عنده نصها.
هو ما كانش عارف يرد ولا يتكلم
ولا حتى يفهم إزاي الدنيا اتقلبت كده.
أما هي فكل اللي في بالها كان كلمة واحدة بس
شايف يا معتز الجاهلة طلعت تعرف تدخل الجامعة وتدرس كمان.
دخل البيت و رازع الباب وراه
وصوته عالي وهو بيزعق
ماماااااااااااااا!
طلعت تجري من المطبخ وقالت بخضة
في إيه يا ابني صوتك عالي ليه كده
لف ناحيتها بعصبية وقال
في إيه! في إنك كنتي عايزة تلبسيني واحدة جاهلة!
وجاي النهارده ألاقيها واقفة قدامي في الجامعة!
في الجامعة يا ماما!
اتسعت عينيها وقالت
جامعة إيه! إنت بتقول إيه
أقولك إيه بس!
اللي كنتي بتقولي عليها غلبانة وأمانة 
طلعت دكتورة!
بتدرس في نفس المكان اللي أنا فيه!
انتي متخيلة المصېبة دي!
قعد على الكرسي پقهر ومسح وشه وقال بصوت كله غليان
أنا طول عمري بذاكر وبتعب
عشان أبقى في مكان محدش يوصل له
وفي الآخر ألاقيها هي اللي واقفة جنبي
ماكملش جملته
لأن باب الشقة اتفتح ودخلت فرح.
وقفت على العتبة بهدوء لابسة لبسها البسيط
بس في عنيها ثقة واضحة
وشايلة شنطة صغيرة بإيدها.
بص لها معتز بحدة وقال وهو بيقرب منها
أنا عايز أفهم
إزاي بقيتي دكتورة
إزاي
مش انتي اللي المفروض جاهلة
ولا الجامعات بقت بتقبل أي حد دلوقتي
سكتت لحظة ما قالتش ولا كلمة.
نظرت له بس النظرة اللي وجعت غروره أكتر من ألف رد
وبهدوء مطلق قالت
واضح إن الجهل مش بالشهادات يا دكتور معتز.
بص لها معتز بنظرة كلها استفزاز وقال
هقرر سؤالي تاني أنا عايز أفهم
إزاي بقيتي دكتورة
إزاي
وقفت فرح
بس المرة دي ما اتأثرتش ولا انهزت
العكس تماما  عينيها كانت هادية
بس كل كلمة خرجت منها كانت سکينة في غروره
على فكرة يا معتز
الجهل مش دايما معناه إن الواحد ما دخلش جامعة
ولا إنه ما خدش شهادة.
في ناس معاها شهادات بالدكتوراه
بس لسه مش عارفين يعني إيه احترام
ولا إزاي يختاروا كلامهم.
اتنفس هو بعصبية وهي كملت بنفس النبرة الهادية اللي كل كلمة فيها محسوبة
الجهل الحقيقي مش في التعليم
الجهل في التفكير
في القلب اللي شايف نفسه أعلى من غيره
وفي العقل اللي شايف الناس درجات.
مش لازم تبقى متعلم عشان تكون راقي
ولا لازم تبقى فقير عشان تبقى جاهل.
قربت منه بخطوة صغيرة وقالت
أنا ما كنتش محتاجة أثبتلك إني متعلمة
بس يمكن القدر حطنا في نفس المكان عشان تفهم إن الكلمة اللي بتطلع باستهتار
ممكن ترجع ټضرب فيك أنت مش في اللي بتقولهاله.
لف وشه عنها بغيظ وصوته علي
أنا عايز أفهم برده!
إزاي إزاي بقيتي كده
انتي مش كنت المفروض جاهلة
يعني كل اللي اتقال لينا ده كان كدب
سكتت لحظة
وبصت له بثبات وقالت بهدوء يقطع القلب
لا يا معتز ما كانش كدب.
جدي الله يرحمه كان شايف إن تعليم البنات عيب
وإن البنت مكانها البيت مش المدارس.
بس بابا
بابا ما قدرش يشوفني محرومة من حلمي
فكان بيعلمني في السر.
نزلت دمعة صغيرة من عينيها وهي بتكمل
كنت بذاكر بالليل من وراه
وأمي الله يرحمها كانت بتغطي علي.
ولما جدي توفى
فضلنا ساكتين
ما حدش عرف إني كملت
ولا إن عندي شهادة
ولا حتى إن عندي حلم.
رفعت راسها وقالت بصوت قوي جدا
فمتستغربش إنك ما كنتش عارف
ولا تستغرب إن الجاهلة طلعت دكتورة.
أنا كنت بس بستنى وقتي
والوقت جه.
اتسمر معتز مكانه
مش قادر يرد
وهي عدت جنبه بخطوات بطيئة
وقالت قبل ما تمسك مقبض الباب
الجهل يا معتز مش إنك ما تعرفش
الجهل إنك تفتكر إنك تعرف كل حاجة.
وسابت الكلمة دي في وشه
وخرجت
علشان تسيب وراها صمت تقيل
وصوت نفسه العالي
اللي أخيرا ما عرفش يرد عليه.
وسابته بين الغيظ والدهشة والكبرياء اللي بيتكسر حتة حتة.
بعد ما خرج معتز من الأوضة رازع الباب وراه
فضلت فرح قاعدة مكانها ساكتة
النفس بيطلع منها تقيل
مش عشان الزعل لأ عشان الۏجع اللي جوهها كان أعمق من أي كلمة.
دقت الباب بهدوء ومرات عمها دخلت وهي شايلة كوباية عصير.
قالت بنبرة حنونة
معلش يا بنتي ما تاخديش على كلام معتز
هو ساعات  بيقول كلام من غير قصد.
فرح رفعت عينيها وقالت بهدوء
لا يا طنط ما زعلتش.
كل واحد بيشوف الناس بعين نفسه.
مرات عمها اتنهدت وقالت
والله ما قصده هو بس اټصدم.
يعني ما حدش كان متخيل إنك دكتورة وده مش عيب ولا حاجة
بس يمكن اتربى على أفكار قديمة شوية.
فرح قالت بنبرة فيها ۏجع هادي
الأفكار القديمة مش بتوجع
اللي بيوجع إن الناس تفضل متمسكة بيها كأنها حقيقة.
سكتوا لحظة والجو بقى هادي أوي.
فرح قالت بعد ثواني كأنها بتحاول تغير الموضوع
هو يا طنط في واحد في الشارع اسمه ياسين
مرات عمها بصتلها باستغراب خفيف وقالت
آه في ياسين. ليه تعرفيه
لا بس سمعت الاسم كده.
أيوه هو ساكن آخر الشارع.
الناس بتقول عليه كلام كتير
فيه اللي شايفه بلطجي وفيه اللي يقول عليه راجل محترم
بس اللي أنا أعرفه إنه ما بيأذيش حد
هو صوته بس العالي هو اللي پيخوف الناس منه.
هو كده من ساعة ما نقل هنا مندفع شوية بس قلبه أبيض.
فرح قالت بهدوء
شكله حد مش سهل.
مرات عمها ابتسمت وقالت
فعلا مش سهل.
بس في نفس الوقت ما يتقسيش عليه.
هو ابن حتته بس لو شاف ظلم قدامه ما يسكتش.
فرح هزت راسها وقالت
فهمت
مرات عمها بصتلها كأنها بتحاول تقرأها وقالت
سألتي عليه ليه يا بنتي
فرح ردت بسرعة وهي بتحاول تخفي ارتباكها
لا خالص الاسم بس عدى في كلام كده.
تمام يا حبيبتي طب ريحي شوية وانزلي على الغدا بعدين.
ولما خرجت مرات عمها وسابت الأوضة
فرح فضلت تبص ناحية الشباك
تفكيرها مشي بعيد
مش عارفة ليه الاسم ده ما خرجش من دماغها من ساعة الصبح.
ابتدت الايام تعدي ببطء غريب
كل يوم يشبه اللي قبله
لكن في تفاصيل صغيرة كانت بتتغير من غير ما حد ياخد باله.
من أول ما جيت القاهرة
كل خروجة كل طريق كل وش جديد كنت بشوفه
بقى ليه معنى.
وفي النص كده
بقى في وش معين بقيت بشوفه دايما.
ياسين.
مش قصدي أستناه
بس كنت