جاءت بزيّ خادمة ليسخروا منها… فغادرت أميرة وتركَت الجميع بلا كلمات!


يدها التي كانت تمسك بكأس النبيذ حتى انزلقت منها دون أن تشعر وارتطم الزجاج بالأرض بقوة.
ټحطم الزجاج بصوت حاد مدو فتردد صداه في أرجاء الحديقة التي كانت قبل دقائق تمتلئ بالضحك والسخرية.
أم أميرة! تمتمت كلارا وصوتها بالكاد يسمع وكأن الكلمات تخرج من فم لا يصدق ما ينطقه.
آنا! أميرة!
كانت آنا تقف بهدوء تام ثابتة كأن الريح التي بعثرت الطاولات والزينة لم تمسها وكأن المشهد كله لا يحمل لها مفاجأة بل نهاية فصل كانت تعرف أنه سيأتي.
مدت يدها إلى مئزرها الأبيض ونزعته ببطء متعمد لا بعجلة ولا بانفعال. طوته بعناية كما يطوي المرء شيئا يحترمه لا شيئا يخجل منه ثم مدته إلى كلارا.
كانت تلك الحركة وحدها كفيلة بأن تقول الكثير دون كلمات.
قالت وهي تصلح خصلات شعرها التي بعثرتها الريح وصوتها هادئ نقي خال من أي نبرة اڼتقام
أهذا لقد عدت للتو من مهمة خيرية في دار أيتام. ساعدت في التنظيف والطهي للأطفال. لم يكن لدي وقت لتغيير ملابسي لأنني أسرعت إلى هنا لأراكم جميعا.
لم ترفع رأسها بتحد.
لم تنظر بتشف.
بل تحدثت كمن يشرح أمرا بسيطا في حياته اليومية.
نظرت إلى كلارا التي بدا وجهها شاحبا كأن الډم انسحب منه دفعة واحدة وعيناها تتقلبان بين المروحية والحرس والمستشار ثم تعودان إلى آنا غير قادرتين على استيعاب التحول الذي حدث أمامها.
قلت إن هذا حفل نجاح تابعت آنا بهدوء عميق وكل كلمة تخرج منها مستقرة واثقة.
أنا أعرف النجاح بطريقة مختلفة يا كلارا. النجاح الحقيقي هو أن ترفع الآخرين لا أن تنظر إليهم باستعلاء. أن تخدم لا أن تستهزئ. أن تكون ذا قيمة حين لا يراك أحد لا حين يصفق لك الجميع.
خفضت كلارا عينيها.
لم تجد ما تقوله.
الكلمات الساخرة التي
كانت تتقنها والتعليقات اللاذعة التي كانت تتباهى بها أمام الجميع بدت فجأة فارغة تافهة بلا وزن ولا معنى.
حتى صديقاتها اللواتي ضحكن قبل دقائق كن الآن صامتات متراجعات خطوة إلى الخلف كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت أقدامهن.
التفتت آنا إلى بقية زملائها.
لم يكن في نظرتها ڠضب.
ولا رغبة في إذلال أحد.
كان فيها شيء آخر شفقة هادئة وربما حزن خفيف على سنوات مضت وعلى مراهقة قضتها تحاول أن تفهم لماذا يسخر منها فقط لأنها لا تشبه الآخرين.
لم أغير نفسي لأثبت لكم شيئا قالت ونبرتها صادقة بلا مبالغة.
كنت كما أنا دائما. أنتم فقط لم تروا ذلك. كنتم مشغولين بالحكم على المظاهر.
ساد صمت طويل ثقيل ممتد.
حتى الذين لم يضحكوا عليها قبل دقائق شعروا بثقل في صدورهم وكأن المشهد وضع أمامهم مرآة لا يمكنهم تجاهلها. مرآة تعكس لا صورة آنا بل صورتهم هم.
بعضهم أشاح بوجهه.
بعضهم طأطأ رأسه.
بعضهم تمنى لو أن اللحظة تمحى.
استدار الحرس في وقفة منضبطة وأشار المستشار إلى السجادة الحمراء الممتدة فوق العشب الأخضر.
تقدمت آنا بخطوات ثابتة فوقها مئزرها لم يعد عليها لكن بساطتها بقيت كما هي. لم تتبدل نبرة صوتها ولم تتغير ملامحها. كانت تمشي بثقة لا تصرخ بل تهمس.
كل خطوة كانت فاصلة بين ماض سخر منها ومستقبل ينتظرها.
وقبل أن تصعد إلى المروحية توقفت لحظة.
التفتت مرة أخيرة نحو الحديقة نحو الوجوه التي عرفتها يوما نحو الأشجار التي شهدت ضحكات وسخرية نحو الطاولات التي ما زالت مفارشها مضطربة من الريح.
لوحت بيدها.
وداعا يا زملائي. لن أتمكن من حضور اللقاء القادم. سأكون مشغولة بإدارة بلادي.
لم يكن في صوتها تفاخر.
لم يكن استعراضا.
بل مسؤولية.
مسؤولية من أدركت أن المكانة لا تقاس بما يقال عنها بل بما تقدمه للآخرين. وأن اللقب مهما