باعت بيتها وأرضها لتعلّم أبناءها… وبعد 20 سنة عادوا بطائرات وأخذوها لمكان أبكاها!


السيارة أخيرا أمام منزل جميل يطل مباشرة على الماء. كان أبيض الجدران تحيط به شرفة خشبية واسعة وحديقة صغيرة مزروعة بالزهور البرية. بدا المكان هادئا كأنه قطعة من حلم.
نزل ماركو أولا ثم فتح الباب لأمه. ساعدها على النزول برفق كما لو كانت كنزا هشا يخشى عليه من الريح.
وقفت تيريزا أمام المنزل تحدق فيه غير مصدقة.
مد ماركو يده وفيها مفاتيح تتلألأ تحت الشمس.
أمي قال بصوت مبحوح من التأثر هذا بيتك.
نظرت إليه ثم إلى المفاتيح ثم إلى باولو الذي اقترب وأمسك بيدها الأخرى.
لم تعودي مضطرة للعمل بعد اليوم قال باولو الآن حان دورنا لنعتني بك كما اعتنيت بنا.
لم تستطع الوقوف.
سقطت على ركبتيها ودموعها تنهمر بلا محاولة لإخفائها.
كان كل شيء يستحق العناء قالت بين شهقاتها كل تامال بعته كل فجر استيقظت فيه قبل الشمس كل ليلة بكيت فيها بصمت حتى لا تشعرا كل شيء.
انحنى ابناها واحتضناها على الأرض كما احتضنتهما يوما على الإسفلت حين كانا طفلين خائفين من العالم.
دخلوا المنزل ببطء.
لمست الجدران كما لو كانت تتحقق من أنها حقيقية. مررت يدها على الطاولة الخشبية على الأريكة النظيفة على النوافذ الواسعة التي تطل على البحيرة.
تذكرت سقف الصفائح المعدنية الذي كان يقرع بقوة عند هطول المطر.
تذكرت الغرفة الضيقة المستأجرة والجدران الرطبة والبرد في الشتاء.
تذكرت الليالي التي كانت تضع دلاء تحت نقاط التسريب ثم تعود لتغطي ولديها كي لا يستيقظا.
وتذكرت يديها المتشققتين وظهرها المنحني وصوت السوق الصاخب والناس الذين كانوا يساومونها على سعر التامال كأنه لا يساوي شيئا.
ثم نظرت حولها من جديد.
وأدركت أمرا عميقا.
لم تكن فقيرة يوما.
قد تكون عاشت بلا مال كاف بلا بيت فاخر بلا ضمان للمستقبل لكنها لم تكن فقيرة.
لأنها كانت دائما غنية بالحب.
غنية بالإيمان بحلم لم تر ملامحه بوضوح لكنها تمسكت به كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة.
في تلك الأمسية جلس الثلاثة على الشرفة الخشبية يراقبون غروب الشمس فوق
البحيرة.
تلونت السماء بالبرتقالي ثم الأحمر ثم البنفسجي الخاڤت.
انعكست الألوان على الماء فبدت البحيرة كلوحة مرسومة بعناية إلهية.
جلس ماركو إلى يمينها وباولو إلى يسارها كل منهما يمسك بإحدى يديها كأنهما يخشيان أن تختفي إن تركاها لحظة.
كان النسيم لطيفا يحمل رائحة الماء والأشجار.
وشعرت تيريزا للحظة عميقة وصامتة كأن زوجها الراحل يبتسم من مكان بعيد راضيا فخورا مطمئنا.
الآن أستطيع أن أرتاح همست الآن فقط أشعر أن رسالتي اكتملت.
لكنها لم تكن رسالة عادية.
فابناها لم يتعلما الطيران فحسب.
لم يتعلما كيف يقودان طائرة وسط السحاب ويهبطان بها بأمان.
لقد تعلما كيف يردان الجميل.
تعلما أن الأحلام لا تتحقق بالموهبة وحدها بل بظهر ينحني في السوق ويدين تتشققان من العمل وقلب لا ييأس.
وتعلمت هي شيئا آخر.
أن الأم حين تزرع الحب
لا تنتظر الحصاد في اليوم التالي.
قد يمر موسم وقد تمر سنوات وقد يمر عقدان كاملان.
لكن الحياة