الطفلة الصغيرة التي أعادت للثري معنى الإنسانية


يتغير.
لطالما كانت حياته تدور حول الأرباح والعقود والمباني الفاخرة لكنه أدرك في تلك اللحظة أن كل ذلك يبدو فارغا مقابل رؤية ثلاثة أطفال يبتسمون بعد جوع قاس.
سألهم بلطف
هل ترغبون في المجيء معي فقط لتناول الفطور دون أي التزام.
راقبت إميلي الباب بتوجس لكنها هزت رأسها موافقة.
وفي ذلك الصباح تناولوا جميعا الفطائر والبيض لأول مرة منذ أشهر.
وفي الأيام التالية نظم ريتشارد لهم مأوى مؤقتا عبر مؤسسة خيرية يمولها.
ومع الوقت بدأت إميلي تثق به. روت له قصة ۏفاة والديها في حاډث قبل عامين وكيف تنقلوا بين الملاجئ بلا استقرار.
استمع إليها بقلب يثقل ألما وقال
لا تستحقون هذا ولا أي طفل يستحق.
سألته إميلي يوما
لماذا تساعدنا
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
لأن أحدهم ساعدني عندما كنت أيضا ضائعا.
مرت الأسابيع ثم الشهور.
كان يزورهم باستمرار ساعدهم على الالتحاق بالمدرسة وحضر أول اجتماع لأولياء الأمور.
ولأول مرة منذ سنوات عاد صدى الضحك إلى أرجاء قصره الفارغ.
ما بدأ كعمل تعاطف تحول إلى علاقة عميقة وفرصة ثانية للجميع.
وبعد عامين أصبحت قصة إميلي كارتر وريتشارد هايز حديث وسائل الإعلام.
المليونير الذي عاش وحيدا بات يعيش مع ثلاثة أطفال تبناهم رسميا.
وعندما سأله الصحفيون عن السبب قال
لأن اللطف لا ينبغي أن يكون خبرا بل يجب أن يكون عادة.
ازدهرت إميلي تحت رعايته أصبحت من المتفوقين مليئة بالثقة والذكاء.
تومي وجد شغفه بالحواسيب يعمل لساعات في مختبر ريتشارد.
وغريس الصغيرة ذات السبعة أعوام ملأت البيت ضحكا ورسومات تغطي أبواب الثلاجات.
لكن ما لمس ريتشارد أكثر لم يكن تغير حياتهم بل تغير حياته هو نفسه.
فقد باع إحدى سياراته الفاخرة وأطلق بثمنها مؤسسة هايز لأطفال الشوارع برنامجا وطنيا يوفر التعليم
والمأوى والغذاء للأطفال المحرومين.
وقال في يوم الافتتاح
إن كانت علبة حليب واحدة قادرة على إنقاذ ثلاث أرواح فتخيلوا ما يمكن أن نفعله لو اهتممنا قليلا ببعضنا.
وقفت إميلي إلى جانبه في ذلك اليوم ترتدي فستانا أبيض بسيطا.
همست له
شكرا لأنك استمعت إلي تلك الليلة.
فابتسم قائلا
لا يا إميلي شكرا لأنك ذكرتني بمعنى الإنسانية.
ومضت الأعوام تتابعت كما تتتابع صفحات كتاب لا يمل المرء من قراءته حتى صارت إميلي فتاة ناضجة مليئة بالحكمة التي لا تمنح عادة إلا لمن اختبر الألم صغيرا.
لم تكن تلك الطفلة التي ارتجفت يوما وهي تضم علبة الحليب إلى صدرها لتسكت جوع إخوتها بل أصبحت شابة تقف بثبات فوق منصة التخرج في جامعة هارفارد وسط تصفيق يهز القاعة.
وفي عينيها بريق لا يلمع من أجل التفوق الأكاديمي وحده بل من أجل كل ليلة نامت فيها خائڤة وكل صباح استيقظت فيه على برد الشوارع وكل يد امتدت لتسحبها خطوة واحدة نحو النجاة.
وبينما ارتدى زملاؤها أروابهم الفاخرة كانت هي ترتدي ذاكرة كاملة حكاية لا تغيب عن قلبها تبدأ من تلك اللحظة التي مد فيها رجل غريب قلبه قبل يده.
كبرت إميلي لكن الحاډثة