أبنائي باعوني قبل أن يبيعوا بيتي


ركبتيها تمسك بيدي وهي تبكي
يا أمي البيت ما يسوى شيء من غيرك. ضيعنا كل شيء.
يوسف لم يتكلم فقط بكى.
نظرت لهم طويلا. قلبي كان يتأرجح بين الألم والحب. ثم قلت بهدوء
أنا ما بعتكم أنتم اللي بعتوني. بس الأم قلبها بحر ما بيتقفل بوش أولادها.
مددت يدي واحتضنتهم. بكينا جميعا. السوق كله صفق والدموع في عيون الناس.
لم أخبرهم عن الصندوق ولا عن المال. لم يعرفوا أن زوجي أنقذني بحكمته. تركتهم يظنون أنني بدأت من الصفر حتى يتعلموا أن الحياة لا تقاس
بالبيوت ولا بالمال بل بالقلب.
اليوم صار مطعمي أكبر. صار اسمه مطعم الحاجة ليلى وأولادها.
أبنائي يعملون معي أدهم يشتري البضاعة منى تطبخ ويوسف يخدم الزبائن.
صرنا عائلة من جديد لكن بشروط جديدة الاحترام الحب والوفاء.
وأنا
أنا صرت أعرف أن أصعب الچروح قد تتحول إلى أبواب نور لو فتحنا لها باب السماح.
بينما كان المشتري يهم بفتح باب الشقة قلت له بصوت هز أركان المكان توقف! أنت تشتري الهواء في زجاجة!. الټفت إلي ابني أدهم بسخرية وقال أمي اذهبي بهدوء ولا تفتعلي المشاكل العقد موقع وصحيح.
لم يعرفوا أنني قبل عام عندما بدأت أشعر ببرود مشاعرهم ذهبت للشهر العقاري.. لم أكن أتعامل معهم كأم بل كخبير في غدر الزمن. البيت الذي يتقاتلون عليه مسجل باسم جمعية خيرية كوقف وما يملكونه هم ليس إلا حق السكن وبمجرد محاولتهم للبيع يسقط حقهم فورا!
لكن الصدمة لم تكن هنا.. الصدمة كانت في يوسف الصغير الذي اقترب مني وهمس في أذني يا أمي نحن بعنا أعضاءنا لنسدد ديون الشركة والبيت كان أملنا الوحيد لماذا تدمريننا.. هل كانت كڈبة جديدة منه أم حقيقة مريرة
فتحت الصندوق الحديدي أمام أعينهم المذهولة. لم يكن فيه ذهب ولا مجوهرات.. كان فيه أوراق ديون قديمة لوالدهم. اكتشفوا أن والدهم لم يترك لهم ثروة كما ظنوا بل ترك ديونا كنت أسددها من عرق جبيني طوال عشرين عاما دون أن أخبرهم.
قلت لهم هذه الأوراق تثبت أنني صاحبة الفضل في أنكم كبرتم بأسماء نظيفة واليوم هذه الأوراق سأستخدمها لأحجر على أموالكم التي جمعتموها من خلف ظهري.
منى ابنتي الطبيبة سقطت على ركبتيها وهي تبكي سامحينا يا أمي أغمانا الطمع. لكن هل يداوي البكاء چرحا غارسا في القلب
تركتهم في حيرة من أمرهم وذهبت لأعيش في بيت صغير استأجرته سرا منذ سنوات. بدأت أتلقى اتصالات من بنوك ومن محامين.. أبنائي الثلاثة أصبحوا في مهب الريح. المشتري يطالبهم بالشرط الجزائي والجمعية الخيرية تطالبهم بإخلاء البيت فورا.
في ليلة ممطرة وجدتهم الثلاثة واقفين أمام بابي الصغير يرتجفون من البرد والجوع.. نفس المنظر الذي كنت أراهم فيه وهم صغار. قلبي كأم بدأ يلين لكن عقلي قال لي لو سامحت الآن ستظلين تابعة لهم للأبد.
دخلوا البيت ووضعت أمامهم ورقة واحدة.. شرطي
الوحيد لإنقاذهم من السچن!
الشرط كان بسيطا وصعبا في نفس الوقت أن يعملوا في الدار التي أرادوا نفوي إليها لمدة سنة كاملة يخدمون كبار السن الذين ليس لهم مأوى ليعرفوا قيمة الأم.
مرت الأيام ورأيت في عيونهم لمعة لم أرها من قبل.. لمعة الندم الحقيقي. أدركت حينها أن سري لم يكن الأوراق ولا البيت سري كان قوتي في تعليمهم الدرس الأخير درس لا تدرسه الجامعات أن الدنيا تدور وما تفعله اليوم بأمك سيفعله بك أبناؤك غدا.