الغـربة وقـلة الأصـل كـاملة


لهم مستقبلا.
في لحظة الذروة انطفأت الأنوار.
صړاخ خفيف.
همسات.
ثم اشتغلت الشاشة العملاقة.
بدأ عرض صور لكن ليست للعروس.
كانت صورا لامرأة تلبس زي التنظيف.
تمسح حماما عاما.
تنحني.
تبتسم رغم التعب.
أنا.
همسات تعلو.
ثم ظهرت كشوف حسابات بنكية.
تحويلات شهرية بالمئة ألف.
ثم إجمالي ثلاثين مليون جنيه.
ثم صور فيلل.
عقود سيارات.
أوراق تسجيل باسم سماح عبد الرحيم.
الصمت أصبح ثقيلا.
ثم أضاءت الأنوار.
ودخلت أنا بفستان لم أرتده من قبل.
فستان اشتريته بمالي لا لأثبت شيئا بل لأسترد نفسي.
مشيت بثبات.
أخذت الميكروفون.
قلت
مساء الخير.
أنا أمل.
مش قطة ضالة.
مش أم هربت.
أنا صاحبة البيت اللي قاعدين فيه.
وصاحبة القاعة دي.
وصاحبة المال اللي اتصرف على ده كله.
الټفت إلى أمي.
قلت بهدوء
النفحة اللي كنت بتعايريني بيها كانت رافعة راسك قدام الناس.
نظرت إلى سماح.
الأمانة مش كلمة تتقال.
الأمانة حساب.
ثم نظرت إلى أحمد وسمير.
لم أصرخ.
لم أسب.
قلت فقط
أنا مسبتكمش. أنا كنت ببني لكم حياة. بس يمكن غلطتي إني بنيتها لناس ما استاهلوهاش.
كانت الدموع في عيونهم لكنني لم أعد أبحث عن الدموع.
أعلنت أمام الجميع إلغاء كل التوكيلات.
إلغاء كل الصلاحيات.
إقامة دعوى خېانة أمانة.
استرداد كل أصل مسجل باسمي.
في تلك الليلة انتهى الفرح قبل أن يبدأ.
لم تكن المعركة سهلة.
سماح صړخت.
اتهمتني بالقسۏة.
قالت إنني أخت بلا قلب.
قالت إنني أكبر من نفسي.
لكن الأوراق كانت تتكلم.
التحويلات واضحة.
العقود واضحة.
الملكية واضحة.
أما أمي فجلست صامتة.
لأول مرة لم تجد كلمات.
لم أطردها إلى الشارع.
لم أقطع عنها الطعام.
خصصت لها معاشا شهريا بسيطا.
يكفي احتياجاتها.
لا أكثر.
قلت لها
الكرامة مش بالدهب الكرامة بالعدل.
أحمد جاء بعد أيام.
دخل غرفتي دون استئذان كما كان يفعل صغيرا.
لكن خطواته هذه المرة كانت ثقيلة.
قال
ماما هو إحنا كنا غلطانين
نظرت إليه طويلا.
قلت
الغلط إنكم صدقتوا رواية واحدة.
الغلط إنكم ما سألتوش.
بكى.
سمير تبعه بعد يومين.
لم أعانقهم فورا.
تركت المسافة تتكلم.
ليتعلموا أن الأم ليست ماكينة صراف.
استعدت بيتي.
استعدت أرضي.
بعت سيارة سماح.
أعدت هيكلة كل شيء.
لكن الأهم استعدت نفسي.
الغربة علمتني أبني بيوت.
لكن الاختبار علمني أختار من يدخلها.
اليوم أجلس في شرفة بيتي.
لا فيلا فارهة.
لا قاعة ذهبية.
لكن بيت باسمي وبقلبي.
أعمل مشروعا جديدا.
مركز تدريب للنساء العائدات من الغربة.
أعلمهن كيف يحفظن أموالهن.
كيف يكتبن كل شيء.
كيف لا يسلمن تعب العمر لمن يسميه نفحة.
أحمد يعمل معي.
يتعلم الحساب.
سمير بدأ يفهم أن الرجولة ليست في البدلة بل في الوفاء.
أما سماح فالقضية ما زالت مستمرة.
ولست أفرح بسقوطها.
لكنني لا أندم على استرداد حقي.
أنا أمل.
لم أعد تلك التي تبكي في صمت.
لم أعد تلك التي تعتذر عن نجاحها.
أنا امرأة تعلمت أن الكرامة لا تمنح بل تحمى.
وإذا عاد بي الزمن
سأسافر مرة أخرى.
سأعمل مرة أخرى.
لكنني سأكتب كل شيء باسمي.
لأن الحب لا يلغي العقل.
والعائلة لا تعني التنازل.
والنفحة ليست ثلاثين مليونا من عمر امرأة.
هذه ليست نهاية قصة.
هذه بداية بيت لا يدخله إلا من يستحق.
وقفت قدام باب البيت اللي بنيته طوبة طوبة من شقى عمري.. ٢٣ سنة في بلاد بره بمسح سلالم وبخدم في بيوت الأجانب عشان أبعت المعلوم. شنطتي مقطوعة وهدومي قديمة مبهدلة من زحمة الميكروباصات.. كنت عاوزة أشوف غلاوتي