ترك زوجي والدته المړيضة مرضا خطېرا معي


مغطى بالصدأ حوافه متآكلة لكنه ثابت صامد كأنه انتظر هذه اللحظة تحديدا.
بصعوبة وبقلب يرتجف فتحت الغطاء.
وما إن انفتح حتى رأيت ما لم أتوقعه أبدا.
نقود
نقود كثيرة مرتبة في رزم بعناية مذهلة وكأنها كانت تعد لهذا اليوم.
وبجانبها أوراق ووثائق وظرف أبيض يحمل اسمي.
جلست على الأرض.
لم أستطع الحركة.
لم أستطع حتى البكاء.
كان هناك مال أكثر مما حملته بين يدي طوال حياتي.
أكثر من كل ما حلمت به وأكثر من كل ما ظننت يوما أنني قد أملكه.
وفهمت في تلك اللحظة أنها كانت تدخره بصمت سنة بعد سنة ولم تخبر أحدا عنه.
فتحت الظرف.
كانت يداي ترتجفان وكأنني أمسك بقلبها لا بورقة.
داخل الظرف كانت هناك رسالة بخط يدها
خطها الذي كنت أعرفه جيدا بخطوطه المتعبة وانحناءاته الهادئة.
كتبت حماتي أنها كانت تدخر هذا المال لأكثر من ثلاثين عاما.
ثلاثين عاما من الصمت
ومن الصبر
ومن الانتظار الذي لا يراه أحد.
كانت تضع القليل كل شهر
ليس من فائض ولا من رفاهية
بل من تعبها
من أيام كانت تؤجل فيها احتياجاتها
ومن ليال كانت تقنع نفسها أن الغد قد يحتاج هذا المال أكثر منها.
كانت تخفيه
لا خوفا من الناس
بل خوفا عليه
كما تخاف الأم على طفلها حين لا تجد من تثق به ليحمله عنها.
كانت تحميه
وتراقبه
وتطمئن عليه بين الحين والآخر
كأنها تطمئن على قلبها نفسه
وكأنها تقول في سرها
سيأتي اليوم الذي أعرف فيه لمن يجب أن يصل.
ثم كتبت
وكتبت كلمات لم تكن قاسېة لكنها كانت صادقة حد الۏجع.
قالت إنها كانت تعلم أن ابنها لا يفكر إلا في نفسه.
لم تكتب ذلك لتشوه صورته
ولا لټنتقم
ولا لتبرر قرارها.
كتبته لأنها وصلت إلى يقين مؤلم
يقين لا يأتي إلا بعد خيبات متكررة.
كتبت أنها رأت فيه إنسانا اعتاد أن ينجو بنفسه
أن يترك غيره خلفه عند أول عاصفة
أن يحمي ذاته حتى لو احترق كل
شيء من حوله.
وقالت إنها كانت تعرف أنه
عندما تأتي اللحظات الصعبة
سيمضي
دون أن يلتفت
دون أن يسأل
دون أن يتحمل.
لم تكتب ذلك پغضب
بل بهدوء يشبه الاستسلام للحقيقة.
ثم طلبت مني بوضوح
أن لا أعطيه شيئا.
وأن لا أشعر بالذنب.
وكتبت جملة جعلتني أرتجف
الذنب ليس ذنبك.
ثم كتبت ما جعل قلبي ينهار بالكامل.
قالت إنها كانت تراقبني بصمت منذ اليوم الأول.
منذ اللحظة التي دخلت فيها بيتها
ولم أكن أعرف أن هناك عينا ترى
وقلبا يلاحظ
وعقلا يحفظ التفاصيل الصغيرة.
لم تكن تتدخل
لم تكن تعلق
لم تكن تمدح ولا تذم.
كانت فقط ترى.
ترى كيف أنظر إليها
لا كواجب
ولا كحمل
ولا كأمر مفروض
بل كإنسانة تحتاج من يحتويها.
كتبت أنها عرفت من نظراتي
من الطريقة التي أناديها بها
من صوتي عندما أقول اطمني
أنني لم أكن أتعامل معها بدافع الواجب
بل بدافع الرحمة.
كانت ترى كيف أصلح وسادتها قبل أن أنام
وكيف أحرص أن يكون رأسها مرتاحا
حتى لو كنت أنا بالكاد أقف على قدمي.
كانت تلاحظ كيف أطمئن عليها
ليس لأن أحدا طلب مني
بل لأن قلبي لم يكن يعرف غير ذلك.
كانت ترى كيف أخفي دموعي
وكيف أبتسم رغم الإرهاق
وكيف أبتلع تعبي
حتى لا
تشعر أنها عبء على أحد.
وكتبت أنها لم تكن تثق في ابنها.
ليس لأنها تكرهه
بل لأنها عرفته جيدا.
عرفت أن قلبه تعود على الهروب
عند أول امتحان صعب
وأن الصبر ليس من طباعه
وأن الألم يخيفه أكثر مما يعلمه.
لكنني
كنت مختلفة.
قالت إنها شعرت بالأمان معي.
أمان لم تشعر به منذ سنوات طويلة.
أمان امرأة مريضة
وجدت أخيرا من لا ينظر إليها كوقت ثقيل
ولا كمسؤولية مرهقة
بل كأم تستحق الرعاية.
كانت متأكدة
بيقين لا شك فيه
أنني لن أتركها مهما اشتد الألم
وأنني سأبقى
حتى عندما يرحل الجميع.
وأنني سأعاملها كأم لي
لا كعبء
ولا كواجب
ولا كمرحلة مؤقتة.
ولهذا السبب
قررت أن تضع ثقتها كلها في
أنا لا فيه.
وكتبت بوضوح
وبخط ثابت لا يرتجف
خط امرأة عرفت ماذا تريد
وعرفت متى تقول كلمتها الأخيرة
أنها أرادت أن يكون هذا