رواية كامله


أمًا، دون أن يُطلب منها ذلك، ودون أن يعدها أحدٌ بشكرٍ أو مقابل.
لقد زرعت حبًا في أرضٍ لم تكن تعد بشيء، وسقته بعرقها ودموعها، وحمته من الرياح حين كانت العواصف تشتد.
تتذكر الأيام التي كانت تعود فيها متعبةً بعد التدريس، فتجد الطفلين ينتظرانها بابتسامةٍ تكفي لتبدّد كل إرهاق. تتذكر الليالي التي كانت تقلّب فيها دفاتر الحساب لتتأكد أن المال يكفي للكتب والزيّ المدرسي. تتذكر كيف كانت تبيع ما تملك من أشياء بسيطة كي توفّر لهما فرصةً أفضل.
لم تكن تعرف يومها إلى أين سيصلان. لم تكن تحلم بزيّ طيرانٍ لامع ولا بمطارٍ مزدحم. كانت تحلم فقط بأن لا يناما جائعين، وأن يذهبا إلى المدرسة بثقة، وأن يعرفا أنهما محبوبان.
واليوم، وهي تنظر إلى السماء التي تعبرها الطائرات، تعلم يقينًا أن الحب الذي يُزرع بصمتٍ، ولو في تربةٍ قاحلة، لا بد أن يُثمر يومًا.
قد يتأخر.
قد يمرّ بعواصفٍ قاسېة.
قد يواجه شكوكًا، وسخرية، وآلامًا لا تُحصى.
قد يختبر الصبر حتى آخر حدوده.
وقد يبدو أحيانًا كأنه يضيع في الفراغ.
لكن إن سُقي بالصبر، ورُوي بالإيمان،
وإن حُمي بالأمل حين يوشك على الذبول،
فإنه لا يكتفي بأن يُثمر
بل يُحلّق.
يحلّق فوق القيود.
يحلّق فوق الفقر.
يحلّق فوق كل ما قيل يومًا إنه مستحيل.
وحين تسمع هدير طائرةٍ تعبر السماء، لا ترى مجرد آلةٍ
تشقّ الهواء، بل ترى حكايةً بدأت بورقةٍ مجعدة وطفلين يرتجفان، وامرأةٍ قررت أن تقول أنا هنا.
وتدرك، بابتسامةٍ هادئة، أن بعض الأجنحة لا تُصنع من معدنٍ ومحركات،
بل من حبٍ صادق
ومن قلبٍ لم يتردد في أن يحتضن.