رواية جديدة


دافئة. أحيانا كان يستيقظ ليلا وهو يشعر بأنه بين عالمين عالم نشأ فيه معتقدا أنه الحقيقة الوحيدة وعالم جديد يقال له إنه ماضيه المسلوب. وكان أكثر ما يؤلمه أنه لم يكن متأكدا أين ينتمي.
لوريتا لم تضغط عليه. أدركت أن الحب لا يفرض وأن الأمومة ليست مطالبة فورية بالاعتراف بل صبر طويل يشبه جذور الأشجار التي تمتد تحت الأرض دون أن ترى. اصطحبته إلى منزل جديد بيت اختارته بعناية مليء بالنوافذ الواسعة وأشعة الشمس وأصوات الأجراس الهوائية التي تتحرك مع النسيم. لم تعده إلى البيت القديم الذي نشأ فيه طفلا لأن ذلك المكان كان ممتلئا بذكريات لا يتذكرها هو لكنها قد تثقل عليه أكثر مما تعينه.
رتبت غرفة له بألوان هادئة ووضعت على الرف صندوقا صغيرا يحوي أشياء من طفولته سيارة بلاستيكية زرقاء كان لا يفارقها كتابا مصورا عن الغابات شريطا أزرق صغيرا فاز به في سباق في روضة الأطفال. لم تقدمها له دفعة واحدة بل كانت تخرج شيئا واحدا كل بضعة أيام كأنها تقدم له خيطا جديدا لنسج هويته من جديد.
في إحدى الأمسيات بينما كانا يجلسان في الشرفة يتأملان غروب الشمس نظر إليها فجأة وقال بصوت خاڤت هل كنت تغنين لي عندما كنت صغيرا ارتعش قلبها لكنها أجابت بهدوء كنت أفعل. طلب منها أن تغني. بدأت بصوت متهدج أغنية أنت شمسي التي كانت ترددها له وهو رضيع. في البداية ظل صامتا ثم أخذت ملامحه تتغير شيئا فشيئا كأن شيئا في داخله بدأ يستيقظ. وحين وصلت إلى المقطع الذي كانت تهمسه له قبل النوم انهمرت دموعه بصمت. لم يكن بكاء صاخبا بل انكسارا هادئا اعترافا غير منطوق بأن في داخله طفلا يعرف هذا الصوت.
بكيا معا وكانت الأغنية جسرا بين سنوات من الفقد جسرا لم تبنه المحاكم ولا التقارير ولا العناوين بل بنته لحظة صدق خالص.
أما بقية الناجين فقد كانت رحلاتهم متباينة. بعضهم استطاع أن يعانق أما أو أبا طال انتظارهما واڼهارت المسافات في لحظة لقاء. آخرون وجدوا أن عائلاتهم رحلت عن الدنيا فواجهوا حزنا مضاعفا حزن السنوات المسروقة وحزن الفرصة الضائعة. كان هناك من اختار أن يبدأ حياة جديدة باسم جديد ومن تمسك باسمه القديم كحبل نجاة.
لوريتا لم تتركهم يتفرقون. أقامت عشاءات دورية في منزلها أسمتها لقاء العائدين. كانت تطهو أطباقا بسيطة وتترك الطاولة مفتوحة للقصص للصمت للدموع وللضحكات التي بدأت تعود بخجل. كانت تؤمن أن الشفاء لا يحدث في العزلة بل في الجماعة في شعور الإنسان بأنه ليس وحده في مواجهة ذاكرة مربكة.
في أول اجتماع لهم وقف مالك الذي بدأ يستعيد اسمه ببطء وقال لا أتذكر كل شيء لكنني أتذكر الصمت. أتذكر أن الصمت كان قانونا. أمي أثبتت أنهم مخطئون حين قالوا إن علينا أن ننسى. وربما نستطيع أن نثبت أنه حتى بعد الأسوأ ما زال هناك شيء يمكن بناؤه. لم يكن صوته ثابتا تماما لكنه كان صادقا. وكان في عينيه شيء من العزم لم يكن موجودا من قبل.
بدأ يشارك في جلسات دعم للناجين من الاحتجاز القسري وتعلم كيف يضع كلمات لمشاعر لم يكن يعرف أسماءها. كتب مذكرات قصيرة عن القرية ليس بدافع الاڼتقام بل بدافع الفهم. أراد أن يعرف كيف يمكن لإنسان أن يقنع أطفالا بأن العالم عدو وأن الحرية خطړ.
وفي الذكرى الأولى للمداهمة عادت لوريتا ومالك إلى شجرة البلوط القديمة خلف المدرسة تلك التي كان يسميها في طفولته
شجرة الحارس.