رواية كامله


لنفسي والمدينة أمامي تشهد
أخيرا أنا سيدة نفسي.
لم تكن الجملة اڼتقاما ولا تحديا بل كانت إعلانا داخليا بالتحرر. تحرر من توقعات فرضها الآخرون ومن صورة صلبة كنت أرتديها حتى حين كنت أحتاج إلى البكاء.
بدأت الثلوج تتساقط خلف الزجاج ناعمة هادئة كأنها صفحة بيضاء تفرش أمام العالم لتدعونا إلى كتابة فصل جديد. وضعت جهاز التحكم على الطاولة ببطء وكأنني أضع نهاية مشهد طال أكثر مما ينبغي. نظرت إلى خاتم الزواج في يدي. كان باردا ثقيلا لا يشبهني. تذكرت اليوم الذي ارتديته فيه يوم ظننت أنني أضيف إلى حياتي شريكا لا عبئا. نزعته ببطء وتأملته للحظة أخيرة لا كرمز للفشل بل كتجربة تعلمت منها. ثم وضعته إلى جوار الجهاز كأنني أضع فصلين من حياتي جنبا إلى جنب.
لم أشعر بالحزن كما توقعت. لم أشعر بمرارة تعصف بي. شعرت بخفة لم أعرفها من قبل كأن الهواء صار أخف وكأن خطواتي لم تعد مثقلة بانتظار رضا أحد.
استدرت ومشيت عبر القاعة بخطوات ثابتة. لم أعد أحتاج إلى كرسي متحرك ولا إلى صورة امرأة ضعيفة تستدر لها الشفقة. لم أعد أحتاج إلى إثبات شيء لأحد ولا إلى الدفاع عن اسمي أمام من أرادوا مصادرته. كل خطوة كانت إعلانا صامتا بأنني اخترت نفسي.
رأيت في الطريق بعض الموظفين القدامى ينظرون إلي بإعجاب صادق. أحدهم انحنى احتراما وآخر اكتفى بابتسامة ممتنة. شعرت أنني لم أبن فنادق فحسب بل بنيت أثرا أثرا سيبقى حتى بعد أن يتغير اسم الشركة.
عند الباب توقفت لحظة أخيرة دون أن ألتفت. لم أرد أن أرى القاعة مرة أخرى كما كانت قبل دقائق. كان خلفي ماض كامل بكل انتصاراته وانكساراته بكل لياليه الطويلة وقراراته الصعبة وأخطائه المؤلمة. وأمامي طريق لا أعرف تفاصيله لكنني أعرف شيئا واحدا عنه أنه اختياري وأنني سأمشيه بقدمي لا بإملاء أحد.
خرجت إلى ليل نيويورك والثلج يتساقط على كتفي كوشاح أبيض يبارك البداية. رفعت رأسي نحو السماء واستنشقت هواء باردا حرا هواء لا يحمل رائحة القاعة ولا ثقل الذكريات. شعرت بأن المدينة كلها تفتح ذراعيها لي لا كامرأة مهزومة بل كامرأة قررت أن تبدأ من جديد بإرادتها.
لم أكن أغادر إمبراطورية فحسب كنت أعود إلى نفسي وأخطو نحو حياة لا يعرفها لقب ولا يحكمها توقيع ولا تقيدها علاقة لا تشبهني. كنت أخيرا أعيش لا لأثبت ولا لأنافس ولا لأرضي بل لأكون.
بعد الصدمة التي أصابت آرثر وأولادي لم يتحمل ابني خالد المنظر. صړخ في وجهي أمام الضيوف أنت مچنونة! كيف تحولين ثروة بمليارات لجمعيات خيرية نحن ورثتك!
ابتسمت ببرود وقلت له الوريث هو من يحفظ العهد لا من يحفر القپر لوالدته وهي حية. في تلك اللحظة دخل رجال الأمن التابعين لي أنا وبدأوا في إخراج الضيوف بلباقة بينما طلبوا من زوجي وعشيقته مغادرة القاعة فورا لأن الحفل انتهى.. وفنادق الماسة لم تعد ملكا لعائلة الراوي.
آرثر حاول الإمساك بيدي وهو يتلعثم عزيزتي كان مجرد سوء تفاهم كنا نريد حمايتك من ضغوط العمل. نظرت ليده التي كان يمسك بها تلك الفتاة منذ دقائق وقلت له يدك ترتجف يا آرثر.. هل هو الخۏف من الفقر أم الخۏف من ملفات الضرائب التي أرسلتها للنيابة قبل قليل
شحب وجهه تماما.. وسقطت مساعدته أرضا من الصدمة. ماذا كان في تلك الملفات
لملفات لم تكن مجرد أوراق ضريبية بل كانت القنبلة التي جهزتها لسنوات. اكتشفت أن آرثر كان يسرق من حسابات الفنادق ليغطي ديون قمار ابني وأن
ابنتي ليلى كانت تخطط لبيعي لشركة منافسة مقابل عمولة ضخمة!
ليلى بدأت تبكي وتترجاني ماما أرجوك لست مثلهم هم من أغروني بالمال. قلت لها الخېانة لا تتجزأ يا ابنتي. من يبع أمه مرة يبعها ألف مرة.
في صباح اليوم التالي استيقظوا ليجدوا الحجز التحفظي على القصر وسياراتهم الفارهة تسحب أمام أعين الجيران. آرثر اتصل بي وهو ېصرخ أين سأذهب لا أملك حتى ثمن فندق! أجبته اذهب لمساعدتك الشابة أليست هي المستقبل.
لكن الصدمة الكبرى كانت عندما وصلتني مكالمة من المحامي يخبرني سيدتي.. آرثر لم يهرب لقد فعل شيئا لم نتوقعه أبدا!
آرثر حاول الهروب بآخر ما يملك مجوهرات العائلة التي ظن أنها أصلية. لكنه لم يكن يعلم أنني استبدلتها ب فالصو منذ اللحظة التي بدأت أشك فيها بخيانته. تم القبض عليه في المطار پتهمة محاولة تهريب آثار مزيفة والڼصب!
أما أولادي فقد تركتهم يواجهون الحياة لأول مرة بدون بطاقات ائتمان أو سائقين. عمل ابني كعامل استقبال في فندق صغير ليس ملكي طبعا وابنتي اضطرت لبيع حقائبها الماركة لتسكن في شقة بسيطة.
أما أنا فعدت لجلوسي أمام البحر لا أحتاج لكرسي متحرك ولا لمرافقين. وقفت على قدمي بكل ثبات ونظرت للشمس وهي تشرق على إمبراطوريتي الجديدة التي سأديرها بعيدا عن جشعهم.