رواية كامله


الذي دفعها إلى عدم الاستسلام طوال ثلاثة عشر عاما رغم إغلاق الملف ورغم همسات الناس ورغم الإرهاق هو ذاته الذي منح ابنتها القوة للبقاء. كانت فالنتينا تقول أحيانا إن فكرة أن أمها لا تزال تبحث عنها هي ما أبقاها متمسكة بالأمل في أحلك اللحظات.
في كل ذكرى لاختفائها لم تعد المناسبة حكرا على الحزن. كانت الأم وابنتها تجلسان معا تشعلان شمعة لا لتأبين الماضي فحسب بل للاحتفاء بالحياة التي استعيدت. تتذكران الألم نعم لكنهما تحتفلان أيضا بمعجزة اللقاء. أصبحت قصتهما رمزا للأمل لدى عائلات أخرى لم تفقد الرجاء ودليلا على أن البحث قد يطول لكنه ليس بلا جدوى.
ورغم أن ما حدث لن ينسى ولن يمحى من الذاكرة فقد أدركتا أن علاقتهما المستعادة هي أعظم انتصار. كانت تلك العلاقة التي صمدت أمام الزمن والغياب والظلام أقوى من كل محاولة لكسرها. لم تعدا تعرفان نفسيهما فقط كضحيتين لقصة مأساوية بل كناجيتين أعادتا تعريف حياتهما.
كان المستقبل لا يزال يحمل تحديات وجلسات علاج ولحظات ضعف لكنه كان أيضا مليئا بفرص لم تعش بعد سفر لم تخضه فالنتينا دراسة حلمت بها ضحكات عائلية حول مائدة عشاء عادية. كانت الأيام تكتب هذه المرة بإرادتهما لا بإرادة مجهولين. ومع كل صباح جديد كانت لورا تنظر إلى ابنتها وتدرك أن المعجزة الحقيقية لم تكن في العثور عليها فحسب بل في قدرتهما على البدء من جديد معا.
صيف 1999 ديزني لاند تضج بالحياة. فالنتينا طفلة ال 8 سنوات كانت تركض كالفراشة مرتدية فستانها المفضل واليوم هو عيد ميلادها. والدتها لورا كانت تلتقط لها الصور في كل زاوية.
عند الساعة 420 مساء وبينما كانوا في طابور إحدى الألعاب المزدحمة تلقت لورا
مكالمة هاتفية استغرقت 40 ثانية فقط.. وعندما أنزلت الهاتف وجدت الفراغ! فالنتينا اختفت وسط آلاف البشر. بحثوا في كل ركن نادوا عبر المكبرات ولكن أجمل مكان في العالم تحول في لحظة إلى أكثر مكان مرعب في التاريخ.
استدعت الشرطة الخبراء وراجعوا تسجيلات الكاميرات ل 24 ساعة كاملة. الصدمة كانت أن فالنتينا ظهرت وهي تمشي بجانب والدتها في الطابور وفجأة عند زاوية معينة لا تغطيها الكاميرات نقطة عمياء اختفت تماما وكأنها تبخرت!
لم يخرج أي طفل بمواصفاتها من البوابات ولم يلاحظ أحد أي شيء غريب. مرت الأيام ثم الشهور ثم السنوات.. لورا فقدت عقلها تقريبا لكنها رفضت تصديق أن ابنتها ماټت. كانت تقول دائما ديزني لاند ابتلعتها وسأجدها يوما ما.
في عام 2012 كانت لورا تقلب في منتدى إلكتروني مخصص ل ذكريات ديزني القديمة. رأت صورة التقطها سائح غريب في نفس اليوم والساعة التي اختفت فيها ابنتها. في زاوية الصورة كان هناك انعكاس على نافذة زجاجية لمحل هدايا.
في ذلك الانعكاس ظهرت يد شخص يرتدي قفازا أبيض ضخما قفاز شخصية كرتونية لكنه لم يكن يلوح للأطفال.. كان يمسك بمعصم فالنتينا بقوة ويسحبها نحو باب حديدي مكتوب عليه للموظفين فقط.
ذهبت لورا للصورة إلى محقق خاص متخصص في قضايا ديزني. أخبرها المحقق بسر مرعب تحت ديزني لاند توجد شبكة أنفاق ضخمة تسمى Utilidors يستخدمها الموظفون للتنقل دون أن يراهم الزوار.
الخاطف كان يعرف هذه الأنفاق شبرا بشبر. تتبعت لورا سجلات الموظفين الذين عملوا في ذلك اليوم ووجدت اسما تكرر في قضايا تحرش قديمة لكنها أغلقت لنقص الأدلة. رجل كان يعمل في تنظيف الأنفاق.. ومنزله يقع في منطقة ريفية معزولة لا تبعد سوى 20 دقيقة عن المنتزه!
تسللت لورا إلى حديقة المنزل المهجور
تقريبا. وفي القبو سمعت صوتا ضعيفا يدندن أغنية قديمة.. أغنية كانت لورا تغنيها لفالنتينا قبل النوم! ركضت لورا وحطمت نافذة القبو الصغيرة لتجد شابة في العشرين من عمرها تجلس في غرفة مصممة تماما كأنها غرفة أميرات في ديزني!
فالنتينا كانت هناك! الخاطف المچنون أقنعها طوال 13 عاما أن العالم الخارجي دمر في حرب عالمية وأن هذا القبو هو المكان الوحيد الآمن وكان يحضر لها هدايا من ديزني كل يوم ليوهمها أنه بطلها المنقذ.
فجأة عاد الخاطف للمنزل. وجد لورا تحاول إخراج ابنتها. اندلعت مواجهة عڼيفة لكن فالنتينا التي ظن الخاطف أنه كسر إرادتها أمسكت بتمثال ميكي ماوس الثقيل وضړبته على رأسه بكل قوتها وهي تصرخ أمي لم تمت.. أنت من قتل حياتي!.
وصلت الشرطة في الوقت المناسب. تم القبض على الۏحش الذي اختبأ خلف الابتسامة الكرتونية لسنوات. الحقيقة كانت أن هناك 3 فتيات أخريات فقدن بنفس الطريقة وفالنتينا كانت الوحيدة التي بقيت على قيد الحياة لتكشف سره.
عادت فالنتينا للحياة لكنها لم تعد تلك الطفلة ابنة الثماني سنوات. بدأت رحلة علاج نفسي طويلة لاستيعاب أن العالم لم يدمر وأن والدتها لم تتركها قط. لورا لم تترك يد ابنتها ثانية واحدة منذ ذلك اليوم.
اليوم تعمل فالنتينا كمستشارة أمنية وساهمت في تغيير قوانين المراقبة في مدن الملاهي العالمية لضمان ألا تضيع أي طفلة أخرى في النقطة العمياء. ديزني لاند اعتذرت رسميا ولكن بالنسبة لفالنتينا أجمل مكان في العالم هو الآن بجانب والدتها فقط.