رواية جديدة


الزبائن القريبين بدأوا يبتسمون بخفية.
أخرج خوليان قلمًا وكتب شيئًا في الحساب قبل أن يغلق الملف.
ثم دفعه نحو إيلينا.
فتحت الشابة الملف بعد ثوانٍ.
واتسعت عيناها فجأة.
كان مبلغ البقشيش أكبر من راتب ثلاثة أشهر كاملة.
رفعت رأسها بدهشة واضحة.
ابتسم خوليان ببساطة.
اعتبريه شكرًا لك لأنك ذكّرتني بشيء مهم جدًا.
سألته إيلينا بصدق
ما هو؟
نظر خوليان إلى والدته أولًا.
ثم قال بصوت هادئ
الأناقة الحقيقية لا توجد في المطاعم الفاخرة.
وتوقف لحظة قصيرة قبل أن يكمل
بل توجد في الأشخاص الذين يعرفون كيف يعاملون الآخرين بكرامة.
بعد دقائق قليلة غادر خوليان وكارمن المطعم.
لكن تأثير تلك الليلة لم يغادر المكان.
بقيت إيلينا واقفة للحظة قرب الطاولة، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث.
كان قلبها لا يزال ينبض بسرعة.
ليس بسبب المال.
ولا بسبب العرض.
بل بسبب الشعور الغريب بأن حياتها قد انحرفت فجأة عن الطريق الذي اعتادت السير فيه.
اقتربت السيدة هيريرا منها بوجه متجهم.
قالت ببرود
لا تعتادي على هذا النوع من الاهتمام.
إيلينا لم ترد.
اكتفت بالنظر إليها بهدوء.
ثم عادت إلى عملها.
لكن شيئًا ما في داخلها كان قد تغيّر بالفعل.
تلك الليلة، عندما عادت إلى شقتها الصغيرة، وجدت صوفيا جالسة على الأرض أمام لوحة رسم.
كانت الألوان منتشرة حولها، وابتسامة هادئة على وجهها.
رفعت صوفيا رأسها فور دخول إيلينا.
وسألتها بلغة الإشارة
كيف كان العمل اليوم؟
توقفت إيلينا للحظة.
ثم ابتسمت.
وأجابت بالإشارة ببطء
ربما
ربما كان هذا أهم يوم في حياتي.
اقتربت صوفيا بفضول.
ماذا حدث؟
جلست إيلينا بجانبها على الأرض.
ثم بدأت تحكي كل شيء.
عن المرأة الصماء.
وعن المطعم.
وعن العرض الذي قد يغير حياتهما.
كانت عينا صوفيا تتسعان أكثر مع كل جملة.
ثم كتبت بسرعة على دفتر صغير كانت تستخدمه
هل ستقبلين؟
صمتت إيلينا لحظة.
نظرت إلى الألوان المنتشرة حولها.
إلى اللوحات التي رسمتها أختها.
إلى الشقة الصغيرة التي كانت تحاول دائمًا أن تبدو أكبر مما هي عليه.
ثم قالت بهدوء
لا أعلم بعد.
لكن للمرة الأولى
أشعر أن العالم بدأ يسمعنا.
وفي مكان آخر من المدينة، كان خوليان يقود سيارته عبر شوارع كانكون المضيئة.
نظرت كارمن إلى ابنها بابتسامة هادئة.
ثم قالت بلغة الإشارة
تلك الفتاة
ستغير أشياء كثيرة.
ابتسم خوليان قليلًا.
وقال
أظن ذلك أيضًا.
لأنه أدرك في تلك الليلة حقيقة بسيطة
أحيانًا
أعظم التغييرات في الحياة
تبدأ بلحظة إنسانية صغيرة
بين شخصٍ يعرف كيف يتكلم
وشخصٍ آخر
يعرف كيف يصغي.
أخرجي هذه المرأة من هنا.. رائحة فقرها تزعجني! بهذه الكلمات، بدأت السيدة هيريرا المتغطرسة هجومها على سيدة مسنة كانت تجلس في زاوية مطعمنا الفاخر. أنا إيلينا، نادلة أعمل ل 14 ساعة متواصلة، قلبي تمزق وأنا أرى الجميع يتجاهل السيدة المسنة لأنها صمّاء وتبدو بسيطة. المدير كان يرتعد خوفاً من خسارة زبونة ثرية مثل هيريرا، وكان على وشك طرد السيدة المسنة.. لكنه لم يكن يعلم أنني سأفعل شيئاً سيقلب الطاولة على الجميع! أمسكتُ بيد السيدة وبدأت أتحدث معها بلغة لا يفهمها أحد في هذا المكان.. 
عندما بدأتُ أتحدث بلغة الإشارة مع السيدة المسنة، ساد صمت رهيب في المطعم. السيدة هيريرا سخرت مني قائلة يا لكِ من حمقاء، تضيعين وقتك مع نكرة! لكن السيدة المسنة نظرت إليّ بعينين تلمعان بالدموع، وأشارت لي ابنتي، شكراً لأنكِ لم تشيحي بوجهك عني.. العالم أصبح مكاناً بارداً جداً. لم أكن أعلم أنني في تلك اللحظة كنت أوقّع على عقد تغيير حياتي. السيدة المسنة طلبت مني طلباً غريباً جداً هل يمكنكِ البقاء بجانبي حتى يصل ابني؟ وافقتُ رغم ټهديد المدير بفصلي.. ومن هو ابنها؟ هذا ما لم يتوقعه أحد! 
فجأة، توقفت 4 سيارات سوداء مصفحة، ودخل ماركوس سيلفا الملياردير الذي تتصدر صورته أغلفة المجلات الاقتصادية. السيدة هيريرا كادت أن يغمى عليها من الفرح، ظنت أنه جاء لأجلها، فوقفت وعدلت