استيقظتُ عند الثالثة فجرًا على صوت الماء وما رأيته خلف باب الحمّام غيّر حياتي إلى الأبد!


قديما بين أغراضه دفتر ملاحظات من أيام الجامعة.
قرأته.
كانت هناك أحلام كثيرة مكتوبة بخط شاب متحمس
أريد أن أنجح.
أريد أن أكون فخر أمي.
لن أكون مثل أبي.
توقفت عند الجملة الأخيرة طويلا.
لن أكون مثل أبي.
أغلقت الدفتر وضغطته إلى صدري.
كم هي قاسېة الحياة حين نعيد أخطاء من ظننا أننا نجونا منها.
تمر السنوات لكن الساعة الثالثة فجرا ما زالت توقظني.
لا أحتاج إلى منبه.
جسدي يعرف.
روحي تعرف.
أفتح عيني على صمت ثقيل وأسمع في خيالي صوت الماء.
أسمع الهمس.
أسمع البكاء.
أحيانا أمد يدي في الظلام كأنني أبحث عن شيء أوقف به الزمن.
ثم أنهض أمشي ببطء نحو النافذة أزيح الستارة قليلا وأرى المطر يطرق الزجاج.
قطرة ثم أخرى
فأعود إلى تلك الليلة.
إلى الماء والبكاء وأثر الډم الذي حاول أن يختفي.
أسأل نفسي كل مرة
متى تاه ابني في ظلمته
متى بدأ يبرر غضبه بدل أن يواجهه
متى صار الصمت بينه وبين زوجته أوسع من أن يجسر
أحيانا أكتب رسائل إلى أوليفيا لا لأطلب منها الصفح بل لأقول لها إنني أؤمن بقوتها.
إن ما حدث لا يعرفها.
إنها ليست الضحېة فقط بل الناجية.
وأنها تستحق حياة لا يخالطها خوف.
ورغم كل شيء ما زلت أصلي.
لا لأجل تبرير ما فعل دانيال ولا لتخفيف مسؤوليته بل لأجل أن يتعلم أن يندم بصدق أن يتغير حقا.
أصلي أن يخرج يوما إنسانا يعرف قيمة السيطرة على نفسه قبل أن يطلب السيطرة على العالم.
أصلي أن تجد أوليفيا سلاما يرمم ما انكسر في أعماقها.
وأصلي أن لا تضطر أم أخرى أن ترى ابنها يسقط أمام عينيها ولا أن ترى في عيني زوجة شابة خوفا يشبه النهاية.
لقد عشت ثلاثة وسبعين عاما وواجهت عواصف كثيرة.
رأيت الفقر وذقت الوحدة وودعت زوجا وتحملت ليالي طويلة من القلق.
لكن تلك الليلة عند الثالثة فجرا
كانت العاصفة التي كشفت لي أن أقسى ما في الحياة
ليس الفقر
ولا المړض
ولا الشيخوخة
ولا حتى الفقد.
بل أن ترى جزءا منك يتحول إلى شخص لا تعرفه
وأن تقف عاجزة أمام اختياره
وأن تبقى رغم ذلك أما
أما بقلب لا يتوقف عن الخفقان
ولا عن الدعاء
ولا عن الرجاء بأن الرحمة مهما تأخرت 
قد تجد طريقها يوما
إلى روح ضلت الطريق.
كل ليلة في الثالثة فجرا ابني يدخل للاستحمام.. وحين نظرت من شق الباب كدت أفقد وعيي من الصدمة! 
اسمي مارغاريدا أبلغ من العمر 73 عاما. بعد أن تركني زوجي وحيدة انتقلت للعيش مع ابني الوحيد دانيال وزوجته أوليفيا في شقتهما الفاخرة بقلب ساو باولو. ظننت أنني سأقضي بقية حياتي في سلام لكن ما رأيته جعل السکينة تهرب من عيني.
دانيال كان يبدو كمدير شركة ناجح لكن شيئا غريبا كان يحدث كل ليلة. في تمام الساعة الثالثة فجرا كان يتسلل بصمت إلى الحمام يغلق الباب بإحكام ويطلق الماء الساخن لمدة ساعة كاملة ثم يخرج وجهه شاحبا وعيناه حمراوين.
فكرت لماذا يستحم في هذا الوقت المتأخر ولماذا كل هذه المدة. فضولي لم يتركني. وفي ليلة بعد أن تأكدت من نوم الجميع تسللت خلفه وتسللت بنظري عبر شق الباب الخشبي الصغير. ما رأيته بالداخل لم يكن مجرد استحمام.. بل كان سرا مروعا يخفيه دانيال عن العالم!
عندما نظرت عبر شق الباب لم أر دانيال يستحم. رأيته يجلس على أرضية الحمام الباردة بملابس العمل الرسمية يخبئ وجهه بين ركبتيه والماء الساخن يتساقط عليه من الدش وكأنه يحاول إخفاء دموع غزيرة! أمامه كانت مكدسة رسائل رفض عمل ومظاريف إخطار بالطرد من شركته الكبرى.
تجمدت في مكاني. ابني المدير الناجح الذي يتباهى
به الجميع

كان قد فصل من عمله منذ 6 أشهر! كان يخرج كل صباح ببدلته