كل اسبوع كنت بروح ابيع دمى عشان احوش فلوس

 

ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس جوايا حاجة اتكسرت خلاص.
قمت بهدوء… وفتحت درج المطبخ.
طلعت الظرف البني اللي كنت بكتب عليه كل مرة كلمة واحدة:
«سفر»
حطيته قدامه على الترابيزة.
وقلت: «خدهم.»
استغرب…
«مش ده اللي كنتِ بتجمعيه علشاني؟»
هزّيت راسي.
«لأ… كنت بجمعهم علشان حلم.
بس اكتشفت إن الحلم كان غلط.»
فتح الظرف بسرعة، وعدّ الفلوس بعينه.
قال: «مش مبلغ كبير يعني.»
ضحكت ضحكة خفيفة.
«أيوه… لأن ده تمن آخر مرة بس.»
سكت… وبصلي باستغراب.
كملت وأنا واقفة قدامه بثبات:
«المستشفى كلهم يعرفوني.
عارفين فصيلة دمي… وبيطلبوني بالاسم.
بس من النهارده… مش هبيع دمي علشان حد.»
مديت إيدي وخدت الظرف تاني.
«هبيعه علشان نفسي.»
سأل بسخرية: «يعني هتعملي إيه بالفلوس؟»
بصيت له للمرة الأخيرة.
«هعيش.»
سكت البيت لحظة.
ولأول مرة… حسّيت إن صدري بيتنفس بعمق.
مش علشان المشكلة اتحلت…
لكن علشان الحقيقة ظهرت.
الأيام اللي بعدها كانت صعبة.
جسمي كان مرهق من السنين اللي فاتت…
بس قلبي بدأ يقف على رجليه.
اشتغلت في مكان صغير جنب المستشفى…
وبطلت أرهق نفسي.
كل ما حد يقولي إن فصيلة دمي نادرة، كنت أبتسم وأقول:
«الإنسان هو اللي لازم يعرف قيمته.»
بعد شهور…
سمعت خبر عنه بالصدفة.
السفر ما حصلش.
والخطط اللي كان بيحلم بيها اتكسرت.
بس الحقيقة؟
ما فرقتش معايا.
لأن لأول مرة في حياتي…
كنت عايشة لنفسي.
والمرة دي…
ولا نقطة ډم واحدة خرجت منّي علشان حد ما يستاهلش.
مرّت سنة كاملة.
السنة دي كانت أول مرة أحس إني واقفة على رجلي بجد… من غير ما أستند على حد.
اشتغلت في معمل التحاليل اللي جنب المستشفى.
الدكتور اللي كان دايمًا يقول إن فصيلة دمي نادرة هو اللي رشّحني للشغل.
قال لي يومها مبتسم: «إنتِ مش كنز علشان دمك… إنتِ كنز علشان قلبك.»
ولأول مرة… صدقته.
بطّلت أبيع دمي.
وبطّلت أعيش علشان حد غيري.
كنت بساعد المرضى… أكتب البيانات… وأطمن المتبرعين الجدد لما يخافوا من الإبرة.
كنت بقول لهم دايمًا: «الدنيا مش بتقف على حد… أهم حاجة إن الإنسان يحافظ على نفسه.»
وفي يوم… دخل شاب المستشفى وهو متوتر جدًا.
كان محتاج نقل ډم عاجل لوالدته.
الدكتور نده عليّ وقال: «الفصيلة زي فصيلتك بالظبط… نادرة.»
بصيت للست اللي نايمة على السرير… شاحبة وتعبانة.
افتكرت كل مرة كنت بقعد على الكرسي ده.
المرة دي… مدّيت دراعي بهدوء.
بس الفرق كبير.
المرة دي…
مش علشان حد يستغلني.
ولا علشان فلوس.
المرة دي… علشان أنقذ حياة إنسانة.
بعد ما خلصت، الشاب فضل يشكرني كتير.
قلت له بابتسامة: «ادعي ليا بس.»
خرجت من المستشفى وأنا حاسة بخفة غريبة.
حسيت إن ربنا عوضني بحاجة أهم من الفلوس…
راحة القلب.
وفي الطريق للبيت…
عدّيت جنب محل شنط سفر.
وقفت قدام الشباك لحظة.
بصيت للشنطة الكبيرة المعروضة… وابتسمت.
المرة دي…
لو هسافر…
هسافر بحلمي أنا.
مش بحلم حد تاني.
ولأول مرة من سنين…
رجعت البيت وأنا حاسة إن دمي…
رجع يجري في عروقي علشاني أنا.
تمت