لما شوفت مراتي حكايات نور محمد

لما شفت مراتي واقفة في بلكونة بيتنا الساعة اتنين بالليل، والبرد بينخر في عضمها وهي بتنشر هدوم أخواتي وعيالهم، وعنيها غرقانة دموع مش قادرة تمسحها عشان إيدها مشغولة.. طلعت موبايلي وبعت رسالة واحدة على جروب العيلة خلت التليفونات كلها تترن في وقت واحد بصوت هز جدران البيت.
الرسالة دي كانت بداية النهاية لمرحلة السكوت الجبان اللي عشتها.
أنا اسمي سليم، عندي 36 سنة. مهندس، وناجح في شغلي جدًا، والناس كلها برا البيت بتعملي ألف حساب. لكن جوا البيت؟ كنت مجرد الابن الطيب اللي كلمته مابتكسرش للأهل.
أنا المتربي على جملة البيت اللي ملوش كبير ملوش تدبير.
وكبيرنا بعد ۏفاة أبويا كان أخويا الكبير عصام، ومعاه أختي هناء.
أنا اتجوزت ليلى من خمس سنين. ليلى كانت اختيار قلبي وعقلي، بنت أصول، هادية، ومتربية على إن بيت العيلة ده أمانة.
بس الأمانة دي مع الوقت وبسبب سكوتي.. تحولت لسجن.
عصام وأسرته، وهناء وعيالها، كانوا بييجوا يقضوا عندنا الويك إيند كله. ده غير الغدا الشبه يومي.
في البداية كنت بقول لليلىمعلش يا حبيبتي، إحنا بيت كرم، ودول أهلي، وأنتي عارفة غلاوتهم عندي.
وكانت ترد بابتسامة باهتةحاضر يا سليم، اللي يريحك يريحني.
لكن اللي يريحني كان بيجي على حساب صحتها، ونومها، وكرامتها.
بدأت أشوف ليلى بتتحول من ست البيت ل شغالة بمرتبة شرف.
تصحى من الفجر تحضر فطار ل 12 فرد.
تقضي اليوم كله بين البوتاجاز والحوض.
وعيال أخواتي يبهدلوا الشقة، ومحدش من أمهاتهم بيمد إيده يشيل ورقة من الأرض.
والأدهى.. إن الانتقادات كانت مابتخلصش.
عصام يقول وهو بياكل الملح زيادة شوية يا ليلى، أمي كانت بتعمله أظبط من كدة.
وهناء تقول وهي قاعدة حاطة رجل على رجل يا ليلى، ابقي شوفي الغسيل اللي في الحمام، عيالي وسخوا لبسهم وعايزين يلبسوا بكره.
كنت بسمع.. وبسكت.
كنت بقول لنفسي مش عايز أعمل مشاكل.. دي عيلة، وبكره يمشوا.
بس هما مابيمشوش.. هما استحلوا الراحة على حساب تعبها.
الليلة اللي غيرت كل حاجة كانت ليلة شتا قاسېة جدًا.
كان عندنا عزومة كبيرة بمناسبة رجوع عصام من السفر.
البيت كان مقلوب، ضحك وهزار وصوت تلفزيون عالي.
ليلى كانت بقالها 14 ساعة واقفة على رجلها.
الساعة بقت اتنين بالليل. الكل نام في الأوض اللي جهزتها ليلى بفرش نظيف وريحة بخور.
دخلت الأوضة ملقتهاش.
خرجت أدور عليها، لقيت باب البلكونة موارب.
وقفت ورا السلك وشفتها.
ليلى واقفة في عز البرد، قدامها سبتين غسيل كبار بتوع أخواتي وعيالهم.
كانت بتنشر الهدوم وإيدها بتترعش من السقعة.
وفجأة، شفت كتفها بيتهز.. كانت بټعيط بصوت مكتوم عشان محدش يصحى.
بتمسح دموعها بكتفها لأن إيدها مبلولة ومسقعة.
في اللحظة دي، شريط الخمس سنين مر قدام عيني.
شفت ليلى وهي بتخس.. وهي وشها بيبهت.. وهي بتفقد ضحكتها.
وفهمت إن الرجولة مش في إنك تفتح بيتك للكل وتتفرج على مراتك وهي بتتداس.
الرجولة إنك تكون حامي للشخص اللي ساب أهله وجالك عشان يطمئن