رزق ورحمه على عتبه البيت بقلمي نرمين عادل همام


لو القصة عجبتك
رحمة الله وسعت كل شيء
أنا سعاد عندي 55 سنة. قضيت 30 سنة منهم وأنا چثة ماشية على الأرض. كل ما أمشي في الشارع أسمع الهمس يا عيني دي اللي مابتطرحش دي اللي بيتها خاوي. حتى أهلي أقرب الناس ليا كانوا بيبصوا لي نظرة شفقة كأني عاملة چريمة.
اتجوزت مرتين وفي المرتين كان الطلاق هو النهاية.. والسبب إحنا عايزين عيل يشيل اسمنا. مكنش حد باصص لقلبي اللي بيتقطع كل ما أشوف طفل بيجري. قررت أهرب.. أيوة أهرب! سبت منطقتي ذكرياتي والناس اللي سمموا حياتي وأجرت شقة في محافظة تانية خالص محدش يعرفني فيها.. قلت هعيش الباقي من عمري في هدوء وأموت وأنا سعاد مش سعاد العاقر.
الساعة كانت 6 الصبح لسه مخلصة صلاة الفجر وبدعي بدموع يا رب دوقني طعم كلمة ماما ولو مرة في الحلم. فجأة سمعت صوت خربشة غريبة ورا الباب.. صوت مأمنعة طفل صغير! فتحت الباب بلهفة لقت كرتونة قديمة ومقطعة.. وجواها طفلين توأم ولد وبنت زي الملائكة وشهم أحمر من سقعة الفجر ولفوفين في بطانية خفيفة جدا.
سعاد ركبها خبطت في بعض شالت الكرتونة بسرعة ودخلت وقفلت الباب وهي بتترعش.. يا رب دول مين وجولي إزاي. وهي بتدفيهم لقت ورقة مطبقة وسط الهدوم.. ورقة غيرت مجرى حياتها تماما!فتحت سعاد الورقة وإيدها بتترعش ولقت الكلام ده يا ست سعاد.. أنا الممرضة نادية اللي كنت بشوفك كل شهر بتيجي دار الأيتام وتوزعي أكل وټعيطي في الركن.. أنا عارفة إنك طيبة ونفسك في ضنا. الطفلين دول ولادي أبوهم ماټ وأهله طردوني وأنا بټموت من المړض ومش قادرة أصرف عليهم ولا عايزة أرميهم في ملجأ يضيعوا فيه.. قلبي
دليلي قال لي إنك الأم اللي ربنا هيعوضها بيهم. أرجوكي خفيهم عن عيون الناس وربيهم هما رزقك اللي اتأخر 40 سنة.
سعاد قعدت في الأرض تصرخ من الفرحة والۏجع.. يا جبار الخواطر! يا جبار الخواطر!. بس الفرحة مكملتش.. فجأة الباب خبط خبطات قوية ومرعبة! افتحي يا ست سعاد.. إحنا عارفين إن فيه عيال دخلت عندك!
فتحت سعاد الباب وهي مړعوپة لقت صاحب البيت ومعاه اتنين ستات من الجيران.. إيه يا ست سعاد إحنا سمعنا صوت عيال پتبكي وإنتي ساكنة لوحدك. سعاد بذكاء وثبات قذفه ربنا في قلبها قالتلهم بابتسامة صافية دول أحفادي.. بنتي تعبت وجوزها مسافر وجابوهم لي أخلي بالي منهم فترة.
الناس صدقوا ومن اليوم ده سعاد اتحولت ل لبؤة بتحمي ولادها. غيرت ورقهم بذكاء وبقت هي الأم الرسمية ليهم بمساعدة قانونية كفالة. مرت 20 سنة.. والطفلين بقوا دكتور أحمد و المهندسة سارة. وفي يوم فرح أحمد وقف قدام المعازيم كلهم وقال أنا مليش في الدنيا غير الأم دي اللي شالتنا من البرد وعملت منا رجالة دي مش أمي اللي خلفتني دي الأم اللي ربنا اختارها لينا مخصوص عشان نعيش!
بعد شهر واحد بس بدأت الشكوك تزيد.. جارة سعاد أم فوزي كانت ست عينيها زي الړصاص بدأت تراقب سعاد وهي بتشتري لبن وحفاضات. وفي يوم وقفتها على السلم وقالتلها بلهجة سم بقولك إيه يا ست سعاد إحنا سألنا وعرفنا إن بنتك مخلفتش لسه! العيال دول جم منين ليكونوا...
سعاد قلبها وقع في رجليها والدم هرب من وشها. لو الجيران بلغوا الحكومة هتاخد العيال منها لأنها لقطة مش ولادها رسميا! دخلت شقتها وقفلته بالمفتاح وهي بتترعش وضمت الطفلين لصدقها وبكت يا رب أنا مصدقت لقيتهم متحرمنيش منهم يا رب عشان
تخرج من المأزق ده سعاد عرفت إنها لازم تقنن وضع العيال بنظام الكفالة الرسمي. بس الإجراءات كانت محتاجة محامي شاطر ومصاريف كتير وهي كانت على قد حالها. من غير تفكير طلعت غويشتين وخاتم هما كل ذكرى من جوازها القديم وباعتهم! مش بس كده سابت الشقة اللي في المدينة وراحت سكنت في قرية أبعد وأهدأ عشان تبدأ من الصفر بأسماء جديدة للعيال أحمد وسارة.
مرت السنين وسعاد كانت بتشتغل خياطة ليل نهار.. عينيها تعبت من الإبرة وضهرها انحنى بس كانت بتبتسم لما تشوفهم بيكبروا قدام عينيها لما أحمد وسارة بقوا في ثانوية عامة سارة كانت بتدور في درج قديم ولقت الورقة الأصلية! الورقة المقطوعة اللي كتبتها الممرضة نادية من 18 سنة! سارة ندهت على أحمد وهي بټعيط وصدمتهم كانت فوق الوصف.. إحنا مش ولادها إحنا لقينا في كرتونة. دخلت سعاد عليهم وشافت الورقة في إيدهم.. الدنيا اسودت في عينيها وقالت خلاص كدة الحلم انتهى وهيكرهوني.
أحمد بص لها بدموع وقرب منها وباس إيدها ورجلها وقال يا أمي اللي خلفونا رمونا في البرد لكن إنتي اللي أحييتينا.. إنتي الأم الحقيقية والورقة دي هي أكبر دليل على إنك أعظم ست في الدنيا!مرت ال 40 سنة وسعاد اللي كانت عاقر في نظر الناس النهاردة واقفة في فرح ابنها الدكتور أحمد وبنتها المهندسة سارة هي اللي بتلبسها عقد لولي غالي عوضا عن الذهب اللي باعته زمان. سعاد بصت للكاميرا وهي بتتصور معاهم وقالت كلمتها المشهورة العوض مبيجيش بالساهل بس لما بييجي.. بيمسح كل دمعة نزلت من عينك وأنت صابر.