كانت تطلب مني ملحًا كل يوم… حتى اكتشفت السبب الذي أبكاني


اعتادت أقدامنا أن تتقاطع في صعود ونزول يومي عابر. لم تكن هناك صرخات ولا انهيارات درامية كما يحدث في الأفلام. كان هناك بكاء مكتوم ثقيل من ذلك النوع الذي لا يخرج من الحلق بل من المعدة من الصدر من أماكن بعيدة في الروح تراكم فيها التعب لسنوات.
كنت أشعر بارتجافها كأنها ورقة خفيفة في مهب ريح باردة. ولم أكن أعلم هل لأحميها أم نفسي لأحتمي بها من فكرة أن الفقد يمكن أن يزورنا مرتين بالطريقة نفسها.
بدا المبنى كله وكأنه يصغي. حتى صدى المترو الذي اعتدنا أن يهز الأرض تحت أقدامنا مر تلك الليلة أخف وكأن المدينة نفسها خفضت صوتها احتراما لوداع صغير يحدث في شقة متواضعة لا يعرف عنها أحد.
كان العزاء بسيطا. زهور متواضعة جلبها الجيران من بسطات الشارع. نساء يهمسن بآيات ودعوات. رجال يقفون بصمت ثقيل لا يعرفون ماذا يقولون. أغنية قديمة تنبعث بخفوت من هاتف محمول لأن ماتيو كان يحبها. لم تكن هناك فخامة ولا كلمات رسمية لكن كان هناك شيء أعمق من كل ذلك حضور.
في مدينة يركض فيها الجميع خلف أعمالهم خلف قطاراتهم خلف أحلامهم المتعبة لم يكن ماتيو وحده. وهذا وحده كان معجزة.
بعد ذلك اليوم تغير صوت المبنى بالنسبة لي.
لم تعد تسمع الطرقات الثلاث.
طرق.
طرق.
طرق.
اختفى الإيقاع الذي صار جزءا من حياتي دون أن أدرك.
وفي غيابه شعرت بفراغ غريب كأن شيئا كان يزعجني كل يوم لكنه في الحقيقة كان يذكرني بأنني لست وحدي.
أصبحت أنا من يصعد الدرج.
كل يوم.
في البداية كنت أحمل الطعام كما اعتدت. حساء أرزا قطع خبز. كنت أطرق بابها بخفة وأدخل دون حاجة إلى الكثير من
الكلمات. كانت تجلس قرب النافذة الشال الرمادي على كتفيها تحدق في الشارع كما لو كانت تنتظر شخصا لن يعود.
ثم بدأت أحمل أشياء أخرى.
قهوة طازجة تعبق برائحة البيت.
خبزا حلوا دافئا ملفوفا في مناديل بيضاء.
وأحيانا كنت أحمل وقتي فقط.
كنا نجلس ساعات دون حديث. أحيانا تتحدث عن ماتيو حين تقوى على ذلك. تخبرني كيف كان يركض في الممر وهو صغير كيف كان يسرق قطع السكر من المطبخ كيف كان يحلم بأن يملك مطبعة صغيرة باسمه.
وأحيانا كنا نصمت.
نراقب ضوء العصر وهو يتسلل عبر النافذة فيصبغ الجدران المتشققة بلون برتقالي حالم وكأن الشمس تحاول أن تخفي العيوب بشيء من الدفء.
كبرت فاليريا وهي تسمع تلك القصص. صارت تعرف اسم ماتيو كما لو كان فردا من العائلة. تحفظ أغنيات خوسيه ألفريدو وترددها بصوت طفولي دون أن تفهم تماما معنى الكلمات لكنها تشعر بما فيها من شوق وحنين.
عندما دخلت فاليريا المدرسة الابتدائية أصرت السيدة كارميلا على حضور مهرجانها الأول. كانت تتحدث عن ذلك اليوم قبل أسابيع وكأنه موعد تنتظره منذ سنوات. أخرجت من خزانتها فستانا داكن اللون مكويا بعناية يبدو كأنه محفوظ لمناسبة لا تتكرر كثيرا. صففت شعرها ببطء وثبتت الشال الرمادي على كتفيها كما لو كان جزءا من هيبتها.
جلست في الصف الأول ظهرها مستقيم رغم ألم مفاصلها ويداها على حجرها بوقار لا يخلو من ارتجاف خفيف. وحين صعدت فاليريا إلى المنصة تبحث بعينيها بين الوجوه كانت أول من لمحته.
رفعت السيدة كارميلا يدها ولوحت لها وعيناها تلمعان بفخر لا يمكن إخفاؤه. صفقت بحرارة أكثر من أي أحد آخر حتى احمرت كفاها.
إنها كحفيدي كانت تقول لكل من يجلس إلى جوارها بصوت ممتلئ اعتزازا وكأنها تقدمها للعالم.
كنت أراقبهما معا وأدرك أن الحياة رغم قسۏتها تعرف أحيانا كيف تعيد ترتيب القلوب. قد تسلبك