تزوّجتُ متسوّلة فأنجبت لي طفلين… ثم ظهرت الحقيقة التي أسكتت القرية كلّها


الټفت إلى هانه ونظرت في عينيها طويلا. هناك في عمقهما كان الصفاء نفسه والبساطة نفسها والصدق ذاته الذي شدني إليها يوم رأيتها أول مرة في زاوية السوق. لم تغير الحقيقة الجديدة شيئا فيها لم تتبدل ملامحها ولا طريقتها ولا تواضعها الذي لم يعرف التكلف يوما.
عندها أدركت أن الحب الحقيقي لا يفاجأ بالحقيقة لأنه لم يبن أصلا على وهم. أحببتها حين كانت لا تملك شيئا وحين لم يكن لها اسم ولا مكان فكيف لي أن أتغير الآن أحببتها لأنها شاركتني القليل دون تذمر وتحملت معي الشدة بصمت ومشت إلى جواري في طريق صعب لم يكن فيه ضمانات ولا وعود. كانت امرأة اختارت الكرامة حين كان بوسعها أن تختار الرفاه واختارت الصدق حين كان بإمكانها أن تختبئ خلف الأقنعة.
ومنذ ذلك اليوم تغيرت القرية أو لعل الناس هم من تغيروا. توقفت الثرثرة وانحسر التندر وحل محلهما صمت مختلف صمت التفكير والمراجعة. صاروا ينظرون إلينا نظرة أخرى لكنني لم أبحث عنها ولم أحتج إليها. بقيت كما كنت أستيقظ مع الفجر أعتني بأرضي وأعود في المساء إلى بيت أعرف فيه معنى السکينة.
وفي نهاية كل يوم حين يهدأ كل شيء كنت أرفع بصري إلى السماء وأشكر القدر شكرا لا ترافقه كلمات لأنه ساقني في تلك
الأمسية الشتوية البعيدة إلى زاوية السوق. هناك
حيث ظن الناس أنني
وجدت امرأة متسولة بينما كنت في الحقيقة قد وجدت شريكة عمري ووجدت معها معنى الحياة الذي لم يعرفه المال يوما ولن يعرفه مهما كثر وتضاعف.
تزوجت متسولة لسترها.. وبعد ٥ سنوات توقفت ٣ سيارات فاخرة أمام بيتي الطيني وما حدث حينها زلزل القرية بأكملها! 
في سن ال ٣٦ كان الجيران يلقبونني ب العازب المنسي. كنت أعيش في بيتي الريفي الصغير أزرع أرضي وأربي طيوري راضيا بنصيبي. وفي يوم شتوي قارص رأيتها في زاوية مظلمة بالسوق.. فتاة بملابس بالية ترتجف من البرد وتطلب ثمن رغيف خبز. لم أر في عينيها ذلا بل رأيت حزنا غامضا كسر قلبي.
عرضت عليها الزواج لسترها وافقت بصمت غريب ودموع لا تنقطع. عشنا ٥ سنوات أنجبت لي ياسين ومريم.. كانت نعم الزوجة تغسل وتطبخ وتعمل معي في الحقل دون كلل وكأنها تخفي سرا كبيرا خلف صمتها.
حتى جاء ذلك الصباح.. كنت أحرث الأرض حين سمعت هدير محركات جبارة لم تعرفها قريتنا يوما. نظرت خلفي فوجدت ٣ سيارات مرسيدس سوداء مصفحة تقف أمام بابي! خرج منها رجال ضخام الچثة ببدلات رسمية وتوجهوا مباشرة نحو زوجتي التي كانت تخبز الخبز أمام التنور!
سقط الفأس من يدي.. ركضت نحوهم وأنا أصرخ من أنتم وماذا تريدون من زوجتي. لكن الصدمة كانت عندما انحنى زعيمهم وقال بلهجة عسكرية لقد انتهت المهمة يا سيادة المستشارة.. والدك في النزع الأخير والمؤامرة كشفت والآن الإمبراطورية في انتظارك!
تسمرت في مكاني.. مستشارة إمبراطورية عن ماذا يتحدث هؤلاء. نظرت إلى زوجتي نور وجدتها تمسح الدقيق عن يدها ببطء ونظرة الانكسار في عينها تحولت فجأة إلى نظرة حادة وقوية لم أرها من قبل!
قالت للرجل بصوت هادئ ومخيف كيف وجدتموني ألم أتفق معكم ألا يظهر أحد إلا بإشارة مني. رد الرجل باحترام الأمر عاجل يا فندم.. أخوك غير الشقيق يحاول بيع كل أملاك العائلة لجهات أجنبية والشرطة تحتاج شهادتك فورا لأنك الوارثة الشرعية والوحيدة لشركة الحديد والصلب الدولية!.
التفتت إلي نور رأت ملامح الذهول على وجهي فاقتربت وقبلت يدي أمامهم جميعا وقالت سامحني يا زوجي
الحبيب.. أنا لست متسولة.