قالت للقاضي أتحدث 11 لغة… فضحك الجميع، وبعد دقائق انقلبت المحكمة رأسًا على عقب


مرضي، وأنها تصدق أكاذيبها.
سألتها الطبيبة ببرود هل شعرتِ يومًا بأن الناس لا يفهمونك، وأنك تعيشين في عالم مختلف؟
نظرت فالنتينا إليها بثبات وقالت كل يوم من حياتي. لكن ليس لأنني مچنونة، بل لأنني عشت في عوالم لم يزرها معظم الناس. العالم هو المخطئ في حكمي، لا أنا.
في اليوم السابق للجلسة، فُتح الباب باكرًا. كان ديفيد تشين، أحد العملاء الذين اتهموها. بدا شاحبًا منهارًا.
قال بصوت مكسور ترجماتك كانت مثالية. مديري أجبرنا على الإبلاغ عن احتيال. لم أتحقق من شهاداتك. كان ټدمير حياتك أسهل من الاعتراف بخطئي.
وسلّمها ظرفًا سميكًا يحوي نسخًا من الترجمات المعتمدة، ورسائل إلكترونية مليئة بالثناء من شركائه في بكين، وإقرارًا خطيًا منه بشهادة زور.
شعرت فالنتينا بمزيج من الراحة والڠضب. لقد زُجّ بها في هذه القضية لحماية مصالح شركات كبرى.
في تلك الليلة، جاءت شابة تعمل أمينة مكتبة وقدمت لها طردًا ستة كتب، نصوص تقنية وقانونية وطبية بست لغات مختلفة.
همست لها الأستاذ فياريال أعدّ اختبارًا لتفشلي. مفردات لا يعرفها إلا أساتذة جامعات.
فتحت فالنتينا أول كتاب، وكان رسالة في القانون البحري باللغة الروسية، واستلقت على سريرها الحديدي. قالت في نفسها أقل من أربع وعشرين ساعة. أغمضت عينيها، وبدأ عقلها، الذي صقلته سنوات العزلة، يمتص المعرفة. تذكّرت جدتها لوسيا وهي تغسل الصحون وتترجم ذهنيًا صحيفة عربية، فكان ذلك وقودها.
في اليوم التالي، دخلت فالنتينا قاعة المحكمة مرتدية بدلة سوداء، وقد تحطمت الأصفاد الذهنية التي كانت تكبلها. لم تعد متهمة، بل أصبحت محترفة.
ساد صمت مهيب. في الصف الأول جلس الأساتذة العشرة، مستعدين للتشريح العلمي.
تقدم الأستاذ أندريس فياريال، قائد الفريق، ونظر إليها باستهزاء قائلاً سنبدأ بالمندرينية. نص طبي عن الإجراءات القلبية الوعائية. وناولها الورقة.
تنفست فالنتينا بعمق. لحظة سكون.
قرأت النص، وبنطق دقيق ونغمات صحيحة، لم تترجم فقط، بل شرحت الإجراء وأضافت سياقه الثقافي، وقالت بالمندرينية اللغة ليست كلمات فحسب، بل روح.
هزّت الأستاذة يوكو تاناكا رأسها بإعجاب وهمست إتقان متحدثة أصلية.
ثم جاء التحدي الألماني. قدم لها الأستاذ هانس مولر عقدًا قانونيًا معقدًا بلهجة متعمدة الصعوبة. ترجمته فالنتينا، بل وأشارت إلى غموض قانوني قد يؤدي إلى دعوى قضائية، قائلة تعلمت ذلك من عائلة شنايدر. الألمانية القانونية لغز، كل كلمة فيه لها وزن. بدا مولر مذهولًا.
أما التحدي العربي، فقدمت الأستاذة أميرة حسن نصًا فلسفيًا قديمًا بالعربية الكلاسيكية. تلت فالنتينا النص بصوت ذي إيقاع موسيقي وقالت العربية ليست لغة فحسب، بل رؤية للكون، تتنفس شعرًا. نهضت الأستاذة حسن متأثرة وقالت هذا يتطلب سنوات من الدراسة العميقة.
توالت اللغات واحدة تلو الأخرى الروسية برمزيتها الأدبية، والفرنسية بمصطلحات الطهي والنبيذ، والإيطالية مع الأوبرا والموسيقى. في كل مرة، لم تكن فالنتينا تُظهر معرفة فحسب، بل علاقة إنسانية عميقة باللغة.
نظر فياريال إليها بيأس وأخرج ورقته الأخيرة العبرية.