العـوض كـاملة بقلم مني السيد

وقفت مريم قدام شباك مكتبها في الدور ١٢ ، بتراقب شوارع القاهرة وهي غرقانة في شمس الربيع الدافية. من خمس سنين بس، مستحيل كان ييجي في خيالها إنها هتوصل هنا.. مكتب واسع، واجهة زجاج، ويافطة نحاس على الباب مكتوب عليها د. مريم.. نائب مدير التطوير. والأهم من كل ده، إنها أخيراً حاسة إنها بني آدمة وليها قيمة
بقلم مني السيد 
كان فيه وقت، مريم نسيت فيه أصلاً طعم الحياة.
الموضوع مخلصش في يوم وليلة. أول سنتين جواز من أحمد كانوا عاديين جداً. اتعرفوا في مناسبة تبع أصحابهم؛ كان شاب لبق، مهتم، بيجيب ورد وبيخطط لمستقبلهم سوا. مريم كانت شغالة في شركة شحن دولية كبيرة، متوفرة على روايات و اقتباسات ولسه مترقية، وبتحلم بكيانها وشغلها. الدنيا كانت بتضحك لها بكل الألوان.
بس بعد الجواز، كل حاجة اتبدلت. في البداية كانت حجج وحاجات بسيطة.. أحمد يطلب منها تخلص الغدا بدري عشان والدته، الحاجة كريمة، جاية وما بتحبش تستنى. بعدها حماتها بقت بتيجي كتير، وتقعد بالساعات، وفي كل مرة تطلع لها قطط فطسانة تراب على الرف، الفوط مش مطبقة بنظام، المفرش مش مكوي.
بقلم مني السيد 
يا مريومة يا حبيبتي، الست الشاطرة هي اللي بيتها يبرق، قالتها الحاجة كريمة بابتسامة باردة خلت مريم تترعش من جواها، أحمد اتعود على النظافة والترتيب، وأنا اللي مربياه على كدة.
بعد سنة، أحمد طلب من مريم تسيب الشغل.
شغل إيه وتعب قلب إيه؟ قالها ببرود وهي راجعة هلكانة من اجتماع مهم، بترجعي مهدودة، البيت يضرب يقلب، ومفيش لقمة تتاكل. شوفي حاجة بسيطة جنب البيت، أنا مرتبي والحمد لله مكفينا وزيادة.
مريم حاولت تعترض.. هي بتحب شغلها، وبتحب تحس بكيانها. بس أحمد كان حجر، والحاجة كريمة كانت المحرّك الرسمي.
يا بنتي الست ملهاش غير بيتها، كانت تقولها وهي بتشرب الشاي في المطبخ، الكارير ده للرجالة. شوفي منظرك بقى عامل إزاي، هالات سودة وشحوب.. مفيش راجل يطيق يشوف مراته كدة.
مريم استسلمت. اشتغلت سكرتيرة في مكتب صغير جنب البيت.. شغل ممل، مرتب ضيف، بس بقى عندها وقت تطبخ وتنظف وتكوي قمصان أحمد. متوفرة على روايات و اقتباسات المفروض الدنيا تستقر.. بس اللي حصل كان العكس.
الطلبات زادت. الحاجة كريمة فجأة بدأت تتمارض.. ظهرها ۏاجعها ومحتاجة اللي يمسح لها الشقة، قلبها تعبان ومينفعش تتوتر، فلازم مريم تروح تنظف لها عشان نفسية حماتها ترتاح.
مريم، أمي وحيدة، كان أحمد بيقولها، هينقص منك إيه لو روحتلها مرتين تلاتة في الأسبوع؟
المرتين بقوا الأسبوع كله. مريم بقت زي الساقية شغل، بيت، حماتها، وبعدين بيت تاني، غسيل، ومواعين. كانت بتنام وهي مېتة وتصحى وهي مهدودة. وبدأت ملامحها تختفي.. جلد باهت، عيون مطفية، و كيلو زيادة زحفوا على جسمها من التوتر والأكل السريع.
في يوم، وهي ماشية، شافت فستان تركواز