كسرة قلب نوح

 


وطيت عند ابني، أخدت الطبق من إيده وقلت له: "يلا بينا، هنمشي".
محدش فيهم اعترض، وده ۏجع قلبي أكتر.. العيل اللي حاسس بالأمان بيسأل "ليه؟"، لكن ولادي مشوا معايا في سكات وكأنهم متعودين يهربوا من الخطړ بسكاتي.
عدينا من جنب تربيزة الهدايا، ومن جنب طنطات العيلة وهما بيمروا بالنظر.. الضحك ما وقفش، والمزيكا ما وقفتش، ومحدش نطق اسمي ولا قال "استني، فيه إيه؟ طيب هنجيب كراسي حالاً".. السكات ده عرفني إن الموضوع مش غلطة ولا صدفة، ده كان مقصود.
ركبت العربية وقفلت الباب.. قعدت ثواني باصة لبيت حماتي، البيت اللي ياما شلت فيه "صواني" في العزومات، وياما دفعت فيه فواتير الكهرباء والمية من جيبي لما حماتي كانت بټعيط وتقول "معيش"، وياما جبت هدايا ولفيتها بنفسي.. وفي الآخر، ابني ياكل على الأرض والكراسي المركونة جوه البيت شاهدة عليهم.
مشيت بالعربية، وبعد 3 أميال بنتي سألتني بصوت يقطع القلب: "ماما، هو إحنا عملنا حاجة غلط؟".
قلت لها: "لا يا حبيبتي، طبعاً لا".
بس ابني الصغير كمل بكلمة دقت زي المسمار في قلبي: "عادي يا ماما، إحنا أصلاً متعودين نقعد بعيد عنهم".
"متعودين؟".. الكلمة دي قلبت كياني. سحبت فرامل ووقفت على جنب الطريق.. مابقتش شايفة من دموعي. سألتهم: "بقالكم قد إيه بيحصل معاكم كدة؟". بنتي قالت: "من فترة.. مش كل مرة، بس لما بيبقى فيه ناس كتير أو قرايب ماما ميليسا، دايمًا بنبقى إحنا اللي مالناش مكان".
افتكرت كل المواقف اللي كنت ببررها لنفسي.. "معلش أصلهم نسوا"، "معلش أصل الدنيا زحمة". اكتشفت إني كنت بشتري "سلام العيلة" من كرامة ولادي.. وإني كنت "الشخص المناسب" ليهم طول ما أنا بدفع وبساعد وبسكت، لكن وقت "اللمة"، ولادي بيبقوا زيادة.
لما روحنا، دخلت ولادي يناموا، وقعدت في المطبخ وفتحت اللاب توب.. مابقتش عايزة دراما، بقيت عايزة أرقام. 3 ساعات قعدت أحسب فيهم كل قرش صرفته عليهم في 7 سنين.. فواتير، تصليح سقف، مصاريف جامعة لسلفي، ديون حماتي.. الرقم طلع صدمة: 38 ألف دولار!
38 ألف دولار كنت فاكرة إني بدفعهم لـ "أهلي"، وطلعت بدفعهم لناس شايفين إن ولادي ما يستاهلوش كرسي.
لما جوزي "دانيال" جه، لفيت الورقة اللي فيها الحسابات ناحيته وقلت له ببرود: "اقعد".
حكيت له اللي حصل، وشفت الصدمة في عينه لما عرف إن ولاده "متعودين" على الإهانة.
قلت له: "من النهاردة، مفيش مليم هيطلع ليهم.. ولا مليم. أي اشتراك أو فاتورة بنتدفعها هتتلغي حالاً. ولو حد فيهم احتاج حاجة، يطلب منك أنت، وأنت حر في فلوسك الخاصة.. لكن فلوس بيتي وولادي مش هتروح لناس بيقعدوا ابني على الأرض".
قلت له كمان: "وهتكلم أمك دلوقتي حالاً.. تبلغها إن اللي حصل ده قلة أدب ومش هيعدي، وإننا مش هنعتب بيتهم تاني غير لما يعتذروا اعتذار صريح لولادنا".
دانيال حاول يتهرب ويقول "الوقت تأخر"، بس بصيت له نظرة عرف فيها إن مفيش رجوع.. مسك الموبايل وهو إيده بتترعش، وبدأت الحقيقة تخبط على بابهم.. الحقيقة اللي بتقول إن "الشخصية الطيبة" قررت أخيراً إنها ما تسكتش.