حين أشار الطفل إلى الرصيف سقطت خمس سنوات من الأكاذيب


ارتجفا لكنهما لم يهربا.
وقال الطفل البني بصوت مكسور
لو سمحت لا تؤذينا.
صوت طفل.
لكن وقع الجملة على قلب إدواردو كان كوقع سکين.
لأن هذا الصوت لم يكن غريبا عنه.
لم يكن مجرد نبرة عالية بل الإيقاع نفسه.
كأن بيدرو يتحدث لكن من فم آخر.
ثم فتح الطفل الآخر عينيه بالكامل.
وهنا كاد إدواردو ينهار.
نفس العينين.
لكن فيهما شيء أعمق حذر أكبر خوف أقدم وۏجع لا يليق بعمر خمس سنوات.
جلس بيدرو على الرصيف دون أي اهتمام ببدلته المدرسية المكلفة وقال ببراءة
إيش اسمك
تردد الطفل البني قليلا ثم قال
أنا لوكاس.
وأشار إلى أخيه
وهذا ماتيو أخي الصغير.
في لحظة واحدة شعر إدواردو أن الأرض تميد تحته.
لوكاس ماتيو
هذان الاسمان تحديدا كانا مكتوبين منذ خمس سنوات على ورقة صغيرة داخل درج غرفة النوم.
أسماء كان هو وباتريسيا يختارونها احتياطا إن كانت الولادة ستأتي بثلاثة أطفال.
لم يقلها لأحد.
لم يذكرها حتى لبيدرو.
كيف يعرفانها
كيف
بل كيف يقفان الآن أمامه من لحم ودم على رصيف قذر بجانب القمامة ويقولان لهدون أن يقصداإن حياته التي عاشها خمس سنوات ربما كانت كڈبة كبيرة
ابتسم بيدرو ومد يده ولمس يد لوكاس المتسخة كأنه يعرفه منذ عمر.
وقال ببساطة
ليش نايمين هون وين بيتكم
نظر ماتيو إلى الأرض ثم رفع عينيه الخضراوين بصعوبة وقال بصوت ضعيف
ما عنا بيت
الخالة خالتنا قالت ما عاد معها مصاري وجابتنا بالليل وتركتنا هون.
قالت حدا رح يجي يساعدنا.
تسمرت كلمات الخالة في رأس إدواردو.
ومعها الاسم الذي سيسقط بعد قليل كالصاعقة.
سأل إدواردو بصوت مبحوح وهو ينحني إلى مستوى الطفلين
خالتكم اسمها شو
نظر لوكاس إليه ثم قال بكل بساطة
مارسيا.
في تلك اللحظة جمد الډم في عروق إدواردو.
مارسيا.
هذا ليس اسما عاديا.
هذا اسم أخت باتريسيا الصغيرة التي اختفت
من حياتهم بعد الولادة المأساوية
الأخت التي كانت دائما مضطربة كثيرة الديون كثيرة الأسرار.
الأخت التي كانت في المستشفى ليلة الولادة تسأل أسئلة غريبة وتتحرك بعصبية لا تفسير لها.
والآن
مارسيا هي التي تركت هذين الطفلين في الشارع.
إدواردو لم يعد يسمع ضجيج المدينة.
لم يعد يرى شيئا سوى
ثلاثة أطفال نفس العينين نفس التفاصيل ونفس القدر الغامض الذي ېصرخ في وجهه
هناك حقيقة مدفونة ولا بد أن تكشف.
رفع بيدرو عينيه إلى والده والدموع تتجمع فيها بصدق
بابا هم جوعانين. ما بصير نتركهم.
إدواردو نظر إلى الطفلين مرة أخرى.
الهزال واضح.
الخدود غائرة.
الهالات السوداء تحت العينين كأنها آثار ليال طويلة بلا نوم ولا طعام.
وفجأة شعر بشيء يهوي داخله
ليس شفقة فقط
بل إحساس غريب يشبه الندم يشبه الخۏف ويشبه كلمة لم يجرؤ على قولها حتى الآن
أولادي
وقف إدواردو صامتا لثوان طويلة كأن الزمن توقف عند تلك الكلمة التي لم تخرج من فمه بعد. كانت المدينة من حوله تضج بالحياة أبواق السيارات أصوات الباعة ضحكات الأطفال لكن داخله كان فراغا صاخبا فراغا يضغط على صدره حتى كاد يختنق.
نظر إلى لوكاس وماتيو مرة أخرى.
لم يعودا مجرد طفلين مشردين.
كانا لغزا حيا.
انحنى ببطء وأخرج محفظته الجلدية الفاخرة ومد يده المرتجفة إلى الداخل ثم تراجع فجأة. لا المال وحده لا يكفي. المال لن يجيب عن الأسئلة التي تنهش رأسه.
قال بصوت حاول أن يجعله ثابتا
اسمعوني يا أولاد خلونا نطلع من هون شوي. بس نركب السيارة ونحكي بهدوء تمام
تبادل الطفلان نظرة سريعة تلك النظرة التي يتقنها من تعلم الحذر مبكرا. لم تكن نظرة رفض بل خوفا ممزوجا بأمل خجول.
سبقهم بيدرو أمسك بيد لوكاس بفرح طفولي وقال بثقة
ما تخافوا. هاي سيارة بابا. وبابا ما بيأذي حدا.
كان في صوته يقين غريب
يقين طفل يشعر أن ما يحدث صحيح حتى لو لم يفهمه.
سارا معا نحو السيارة السوداء المركونة على بعد أمتار.
كل خطوة