قالوا “اتّسخت قليلًا”… لكن اللي شفته على بنتي خلّى المدرسة كلها تهتز!

وصلت المستشفى وريحة البوية اختنقت بيها في الممر. شفت يارا نايمة على السرير وشعرها الأشقر اللي كنت بمشطه كل يوم بقى بقعة زرقاء وخضراء وحمراء. عينيها حمرا من الصړيخ ومن الخۏف اللي بان فيهم لما فتحتهم وبصتلي.
المديرة مدام إلهام كانت ست كبيرة في أوائل الخمسينات بشعر مصبوغ ونظرة متعالية. لما طلبت مني ألم الدور ومانعملش مشكلة من لا شيء حسيت إن دمي بيغلي.
لا مش هلم الدور يا مدام. فيه هنا دور محتاج يتفتح ودور محتاج يتقفل صح وحساب كبير محتاج يتسدد.
في اللحظة دي رجعت ذاكرتي عشرين سنة لورا. لسالم الرويعي الشاب اللي كان معروف في منطقته إنه محدش يقدر يكسر له كلمة. سالم اللي كان بيحل المشاكل بطرق محدش يتوقعها وكان بيحمي اللي بيحبهم بكل قوته. الظروف هي اللي خلته يهدى ويتفرغ لحياته الهادية لكن الألم اللي في عين يارا صحى فيه الۏحش النايم.
خرجت من المستشفى وعيني كانت بتلمع لمعة غريبة. اتصلت بكذا واحد من رجالة زمان. جهزوا لي كل المعلومات عن الأولاد اللي عملوا كده وعن أهلهم وعن المدرسة نفسها.
في خلال ساعات كانت عندي ملفات كاملة. الولاد كانوا أولاد ذوات والمديرة مدام إلهام كانت بتحاول تغطي عليهم عشان تحافظ على سمعة مدرستها اللي بتستقبل أولاد الطبقات العليا.
تاني يوم الصبح وقبل أي حركة من المديرة أو أهالي الولاد فوجئ كل واحد منهم بمكالمة من سالم الرويعي. مكالمة واحدة فقط هادية لكنها كانت كفيلة إنها تخلي أكبر واحد فيهم يحس بالړعب. سالم ما هددش سالم وعد.
في نفس الأسبوع الولاد اللي عملوا الفعلة اتنقلوا لمدارس داخلية بعيدة جدا ومدام إلهام استقالت لأسباب صحية مفاجئة والمدرسة دفعت كل تكاليف علاج يارا النفسي والجسدي وقدمت اعتذارا رسميا على مرأى ومسمع الجميع.
يارا اتعافت لكن درس الهزار ده علمها وعلمني إن فيه ناس ممكن تدفع ثمن أفعالها حتى لو كان الأب مجرد صنايعي. لأن الأب مش بمهنته الأب بحبه وحمايته.
هناك لحظات في حياة الوالدين تأتي بلا إنذار لحظات حادة وفاصلة إلى درجة أن كل ما سبقها يبدو كأنه تدريب وكل ما يليها يتحول إلى نتيجة محتومة. وبالنسبة لي جاءت تلك اللحظة عصر يوم أربعاء في تمام الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة حين رن هاتفي وأنا واقف على سلم أصلح إفريز السقف في غرفة طعام لشخص غريب وجاءني صوت يخبرني بأن ابنتي كانت طرفا في حاډث وكأن الألم يمكن اختزاله في مصطلح إداري وكأن القسۏة تحفظ في ملف اسمي سالم الرويعي ولست الرجل الذي يتوقعه الناس حين يرون ذلك النجار الهادئ الذي يوصل ابنته إلى أكاديمية الهداية الخاصة مدرسة تقوم على مروج مشذبة وتسلسلات غير معلنة حيث يتكلم المال بهدوء لكنه يحمل عصا غليظة. أبني البيوت الآن أصلح الشرفات وأعيد تشطيب السلالم لأناس يبتسمون بأدب ثم يغلقون أبوابهم. أفعل ذلك بلا شكوى لأن ابنتي مريم كانت تحب كتب مكتبة الأكاديمية وكانت تحب الطريقة التي جعلت بها معلمة العلوم الكواكب تبدو قريبة بما يكفي للمس. وكان ذلك كافيا لأبتلع ما تبقى لدي من كبرياء.
حين اتصلت وكيلة المدرسة لم يكن في صوتها هلع بل ضيق. قالت إن مريم اتسخت قليلا وأن من الأفضل أن آتي لاصطحابها سريعا حتى لا تزعج بقية الطلاب. وحتى في تلك اللحظة شعرت بأول ومضة من شيء بارد وقديم يستقر خلف أضلعي لأن البالغين الذين يهونون الأمور غالبا ما يخفون شيئا.
قدت أسرع مما ينبغي تهتز