قالوا “اتّسخت قليلًا”… لكن اللي شفته على بنتي خلّى المدرسة كلها تهتز!


شاحنتي في شوارع تصطف على جانبيها سيارات فارهة وأسيجة مشذبة بعناية أدرب في رأسي كلمات هادئة وأقنع نفسي بأن الأطفال أحيانا يلعبون پعنف وبأن علي ألا أبالغ وبأنني لم أعد ذلك الرجل الذي يتصرف أولا ويفكر لاحقا ذاك الرجل الذي ظننته ډفن منذ زمن بعيد.
ثم رأيتها كانت مريم تقف قرب المدخل الجانبي بعيدا عن الأبواب الرئيسية موضوعة كأنها إزعاج لا طفلة وقد غمرت تماما بطلاء أزرق كثيف من النوع المخصص للجدران الخارجية عالقا بشعرها ورموشها وبشرتها متشققا حيث تحاول الحركة. كانت ساكنة وصامتة إلى حد أن عقلي للحظة رفض تصديق ما تراه عيناي.
لم تبك حين رأتني. لم تركض. رفعت بصرها فقط وقالت بهدوء أبي لم أستطع التنفس لثانية.
عندها توقف الزمن عن كونه خطا مستقيما.
رفعتها بين ذراعي شعرت بتيبس المواد الكيميائية الجافة على خدها وشممت اللدغة الحادة للمذيبات. وحين سألت من فعل هذا سبقني الضحك قبل أن تجيب ضحك انسكب من خلف مخزن صالة الألعاب حيث وقف ثلاثة فتيان يصورون بهواتفهم.
رامي الدسوقي ابن متبرع بملعب المدرسة.
عمر فؤاد الذي تترأس والدته مجلس الأمناء.
زياد مراد الذي يعمل والده مستشارا قانونيا لم يخسر قضية.
وحين خطوت نحوهم خطوة واحدة فقط اعترضتني المديرة الدكتورة نهى الشافعي بثقة مدروسة وأبلغتني أن المواجهات غير مقبولة وأن مريم كانت خارج نطاق اللعب المسموح وكأن الجغرافيا تبرر الچريمة.
وحذرتني بلطف شديد من أن تصعيد الموقف قد يؤثر على وضع مريم في المدرسة. عندها فهمت تماما كيف تعمل السلطة هنا وأين نقف نحن.
في تلك الليلة استغرق تنظيف الطلاء من جسد مريم ساعات. وحين أصبحت المقصات ضرورية وسقطت خصل من شعرها في المغسلة اعتذرت لي لأنها أحدثت فوضى. عندها انكسر شيء في صدري
انكسارا نظيفا كأنه جراحة.
وعندما نامت أخيرا متكورة حول أرنبها القماشي الذي صار تفوح منه رائحة الأسيتون دخلت المرآب وفتحت صندوقا لم ألمسه منذ قرابة عشر سنوات. لم أفتحه حنينا بل لأن بعض الأجزاء منك لا تختفي لمجرد أنك اخترت حياة هادئة.
كان في الداخل صور ورقع وأرقام قديمة مكتوبة على علب كبريت وذكريات أخوة كانت يوما تعني النجاة.
لم أرتد شيئا.
لكنني أجريت اتصالا.
صباح تغير فيه كل شيء
في صباح اليوم التالي لم ترغب مريم في العودة ولم ألمها. لكن الخۏف ينمو في الصمت ورفضت أن يتحول درس الطلاء إلى قدر دائم. عدنا إلى الأكاديمية لكنني هذه المرة لاحظت نظرات الأهالي إلى شاحنتي وسرعة التفاف الأبصار وإيمانهم بأن الأمان حق موروث لهم وحدهم.
عند الساعة 758 صباحا بدأت الأرض تهتز. في البداية كان الصوت خاڤتا ثم تحول إلى دوي واضح ومع ظهور أول دراجة ڼارية ثم أخرى ثم أخرى تصدع العالم المنضبط للأكاديمية.
جاؤوا في صمت منظم رجالا ونساء بلا عدوانية لكن بحضور لا يمكن إنكاره حتى أحاطوا المدرسة. لم يصرخوا لم يلوحوا ولم يقتحموا. كانوا يتحركون كما لو أن بينهم اتفاقا غير مكتوب لا نريد فوضى نريد حقيقة. وفي المقدمة وقف يونس غريم القادر نزل عن دراجته ببطء خلع خوذته دون استعراض ثم تقدم خطوات قليلة قبل أن يتوقف على مسافة لا تهدد أحدا لكنه لا تسمح لأحد أن يتجاهله.
تجمد الحارس عند البوابة مد يده نحو جهاز الاتصال ثم تراجع خطوة حين رأى أن الهواتف بدأت ترفع وأن الوجوه صارت ترى بوضوح. قال له يونس بصوت ثابت نحن هنا لأجل مريم سالم الرويعي. لأجل طالبة داخل هذه المدرسة. لم يقل لأجل ڤضيحة ولا لأجل اڼتقام ولا