كنتُ مليارديرًا مشلولًا… إلى أن طرقت طفلة مشرّدة باب قصري أثناء العاصفة


في ساقيّ منذ أوائل الألفية.
ابتسمت هازل ابتسامة واثقة لا تشبه عمرها، وقالت وهي تهزّ رأسها بخفة
قلتُ لك كانتا فقط نائمتين.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن ما يحدث لم يكن معجزةً صاخبة، بل صحوةً بطيئة.
قررتُ أن تبقى روان معنا. قلتُ لنفسي إنني أحتاج إلى من يساعدني، لكن الحقيقة التي لم أعترف بها آنذاك أنني لم أعد أحتمل الفراغ من دونهما. وجودهما أعاد للحياة إيقاعًا افتقدته طويلًا.
تحوّلت الشرارات الصغيرة التي شعرت بها إلى دفءٍ خفيف يسري في ساقيّ، دفءٍ خجول كأن الجسد يختبر الأرض من جديد بعد
غياب طويل. ثم بدأ ذلك الدفء يتقطّع إلى ارتعاشات غير منتظمة، ارتعاشات مربكة، أشبه بمحاولات متعثّرة لذاكرةٍ جسدية تحاول أن تتذكّر طريقًا نسيته منذ زمن بعيد.
كنتُ أراقب كل إحساس بشغفٍ وريبة في آنٍ واحد؛ أتشبّث به كما يتشبّث الغريق بخشبة، وأخشى في الوقت نفسه أن يكون وهمًا عابرًا، أو خدعةً قاسېة ينسجها العقل ليتحمّل واقعه. كنتُ أخشى أكثر من أي شيء أن أستيقظ في صباحٍ ما، وقد اختفى كل ذلك فجأة، تاركًا خلفه فراغًا أعمق من السابق.
لم أستطع أن أحتفظ بالأمر لنفسي. اتصلتُ بطبيب الأعصاب الخاص بي، الدكتور ليفين، فجاء بالطائرة من المدينة على عجل، يحمل معه برود الخبرة وصرامة العلم. أمضى ساعات طويلة في الفحص، راقب المؤشرات، أعاد الاختبارات مرة تلو الأخرى، قارن النتائج بسجلاتي القديمة، ثم عقد حاجبيه وقال بنبرة حذرة، كمن يخشى أن يقول الحقيقة كاملة
هذا غير منطقي. من المرجّح أنها إشارات وهمية، أو استجابات نفسية مؤقتة ناتجة عن الأمل. لا تدعهم يعلّقونك بوهمٍ قد ينهار فجأة.
كانت كلماته دقيقة، علمية، خالية من أي دفء إنساني. ومع ذلك، لم أستطع تجاهل ما كنتُ أشعر به في داخلي، ولا النظرة الواثقة في عيني هازل كل مساء، تلك النظرة التي لا تعرف الشك، ولا تعترف بالمستحيل.
بعد أيام قليلة، عادت كلير إلى حياتي فجأة. لم تأتِ بدافع الحنين أو القلق، بل جاءت برفقة محامٍ، وملفٍ مليء بالادعاءات. قالت إنني فقدت استقراري العقلي، وإنني أتعرض للتلاعب العاطفي، وإن وجود امرأة وطفلة غريبتين في القصر دليل واضح على تدهوري. كانت تريد السيطرة على أموالي، وانتزاع هازل وروان من حياتي، بحجة حمايتي بينما كان الدافع الحقيقي واضحًا كالشمس.
في قاعة المحكمة، بدا كل شيء رسميًا، باردًا، ومجحفًا. الجدران الصامتة، المقاعد الصلبة، والنظرات التي تحاكم قبل أن تسمع. سخر محاميها علنًا من فكرة أن طفلة يمكن أن يكون لها أي دور في تحسّن حالتي. تحدث عن الوهم، والإنكار، وضعف الإدراك، وكأنني لستُ حاضرًا، وكأن حياتي مجرّد ملفٍ على مكتبه.
سألني القاضي بهدوء إن كان لدي ما أودّ قوله.
دفعتُ كرسيّي إلى الأمام ببطء، كأنني أُمهّد لجسدي طريقًا لم يسلكه منذ أعوام. ثبّتُّ المكابح بإحكام، وشعرتُ بثقل اللحظة يهبط على صدري دفعةً واحدة. كان الصمت كثيفًا، خانقًا، وكل الأنظار تتجه نحوي، لا بدافع التعاطف، بل انتظارًا لانهيارٍ متوقّع، أو تلعثمٍ مُحرِج، أو اعترافٍ أخير بالعجز يؤكّد ما قيل عني.
رفعتُ رأسي، واستجمعتُ ما تبقّى لي من قوة، وقلتُ بصوتٍ حاولتُ أن أجعله ثابتًا، رغم الارتجاف الذي كان يعصف بي من الداخل
أنا لستُ مشوَّشًا أنا أتعافى.
ساد صمتٌ أعمق. شعرتُ بأن الهواء نفسه توقّف عن الحركة. ثم دفعتُ بجسدي إلى الأعلى.
في اللحظة التالية، اڼفجر الألم في داخلي. لم يكن ألمًا عابرًا، بل كان عنيفًا، حارقًا، كأنه يمرّ عبر أعصاب لم تُستخدم منذ سنوات طويلة، أعصاب نُسيت، ثم أُجبرت